تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 128)جامع البيانالطبري١٣/١٢٨: ينقل الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي أن موسى عليه السلام لما أعلمه الله في الميقات بما أحدث قومه من بعده، رجع إليهم ممتلئاً غيظاً وحزناً شديداً {غَضْبَانَ أَسِفًا}؛ فلما رأى العجل ورأى قومه يرقصون حوله اشتد غضبه لله، فرمى الألواح التي فيها كلام الله من يده فتكسرت، وأقبل على أخيه هارون فأخذ بلحيته وشعر رأسه يجره إليه معاتباً ومعنفاً على تركه إياهم؛ فاستعطفه هارون بذكر الأم {قَالَ ابْنَ أُمَّ} مبيناً براءته وأنه نهى القوم وقاومهم ولكنهم تمردوا عليه واستضعفوه وكادوا يقتلونه؛ وقال له: لا تشمت بي الأعداء ولا تعاملني معاملة الظالمين عبدة العجل فإني بريء من صنيعهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 478)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٨: يذكر الحافظ ابن كثير الحديث النبوي الشريف الشاهد لهذه الحادثة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله موسى، ليس المعاين كالمخبر؛ أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده فلم يلقِ الألواح، فلما رآهم وعاين صنيعهم ألقى الألواح فتكسرت» (أخرجه أحمد وابن حبان وصححه).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 298)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٩٨: يوضح القرطبي أن إلقاء الألواح وأخذ رأس هارون لم يكن عن شك ولا استخفاف بكلام الله ولا استهانة بهارون، وإنما كان لفرط الغيرة لله والغضب للتوحيد؛ فالإنسان إذا استولى عليه الغضب الشرعي العارم قد تخرج منه تصرفات انفعالية تدل على عظم المصيبة في دينه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَسِفًا}: الأسِف هو الشديد الحزن والغيظ؛ فالأسف يطلق على الحزن ويطلق على الغضب.
{بِئْسَمَا}: بئس فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم، و(ما) نكرة تامة بمعنى شيئاً في محل نصب تمييز أو موصولة فاعل.
{أَعَجِلْتُمْ}: عجل يعجل عجلة، ومعناه استعجلتم وبادرتم الأمر قبل أوانه.
{رَجَعَ مُوسَىٰ}: فعل ماضٍ وفاعل مرفوع بضمة مقدرة.
{إِلَىٰ قَوْمِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (رجع)، والهاء مضاف إليه.
{غَضْبَانَ}: حال أولى منصوبة بالفتحة غير منونة لأنها على وزن فعلان ومؤنثه فعلى.
{أَسِفًا}: حال ثانية منصوبة بالفتحة الظاهرة.
{قَالَ}: جواب شرط لما لا محل لها.
{بِئْسَمَا}: (بئس) فعل ذم، (ما) تمييز للضمير المستتر فاعل بئس.
{خَلَفْتُمُونِي}: فعل ماضٍ وفاعله، والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة في محل نصب تمييز أو صلة ما، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس الخلافة خلافتكم إياي.
{مِن بَعْدِي}: متعلقان بـ (خلفتموني).
{أَعَجِلْتُمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، فعل ماضٍ وفاعل.
{أَمْرَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{رَبِّكُمْ}: مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه.
{وَأَلْقَى}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ والفاعل مستتر (موسى).
{الْأَلْوَاحَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَأَخَذَ}: معطوف ماضٍ وفاعله مستتر.
{بِرَأْسِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أخذ) وهو مضاف.
{أَخِيهِ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
{يَجُرُّهُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال من الفاعل أو المفعول.
{إِلَيْهِ}: متعلقان بـ (يجره).
{قَالَ}: فعل ماضٍ وفاعله هارون.
{ابْنَ}: منادى مضاف منصوب بحرف نداء محذوف تقديره يا ابن، وهو مضاف.
{أُمَّ}: مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر (أو مضاف لياء المتكلم المحذوفة وقلبت فتحة).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الْقَوْمَ}: اسم إن منصوب بالفتحة.
{اسْتَضْعَفُونِي}: فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به، والجملة في محل رفع خبر إن.
{وَكَادُوا}: الواو عاطفة، كاد فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَقْتُلُونَنِي}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو اسمه والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة خبر كاد.
{مَعَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ وهو مضاف.
{الْقَوْمِ}: مضاف إليه مجرور.
{الظَّالِمِينَ}: نعت مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وشعبة ويعقوب {ابْنَ أُمِّ} بكسر الميم على الإضافة لياء المتكلم المقدرة.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص وحمزة وأبو جعفر وخلف العاشر {ابْنَ أُمَّ} بفتح الميم لتركيب الاسمين كـ خمسة عشر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الدرامي البليغ يرسم صدمة اللقاء وهول المفاجأة: موسى عائد بألواح النور والشريعة، فيفاجأ بقومه يرقصون حول عجل من ذهب؛ فتفجرت غيرته الإيمانية غضباً وأسفاً.
نداء هارون بـ {ابْنَ أُمَّ} دون "يا أخي": استعطاف وجداني نبيل يذكر برباط الرحم الرقيق المشترك لتسكين فورة الغضب النبوي العارم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُلقي موسى ألواح التوراة المقدسة وكيف يجر لحية ورأس نبي كريم مثله كهارون عليه السلام؟
الدفع والمحاكمة العقلية: ما فعله موسى لم يكن استخفافاً بالألواح ولا اعتداءً ظالماً على هارون، بل كان انفعالاً بشرياً طبيعياً دافعه الغيرة المطلقة على حرمات الله والتوحيد؛ فالصدمة بالشرك بعد معجزات النجاة أذهلت عقله وجعلته لا يملك نفسه من فرط الأسف والغضب لله؛ والشريعة تعذر المغلوب بغضبه الذي لا يملك دفع انفعاله؛ كما أن أخذ رأس هارون كان على سبيل الاستنطاق والمحاسبة الصارمة لمعرفة سبب وقوع الكارثة وهل قصر هارون في دفعها، فلما تبين له عذره وجهاده وتبرؤه كف عنه ودعا له ولنفسه بالمغفرة والرحمة.
الجمع بين {غَضْبَانَ} و{أَسِفًا}: إحاطة بيانية بحالته النفسية الكاملة؛ فالغضب موجه ضد المعتدين والشرك، والأسف حزن عميق يعتصر الفؤاد على فوات الطاعة وانتكاس الأمة.
قول هارون {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ}: أدب رفيع وفقه راقٍ في إدارة الخلاف الداخلي بين القادة؛ فلا ينبغي أن يظهر النزاع بين المصلحين أمام الخصوم لئلا يفرح أهل الباطل ويشمتوا بوحدة الصف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الغضب لله والغيرة على العقيدة: المؤمن الصادق يغضب إذا انتهكت محارم الله وتعدى الناس على التوحيد، وبرود المشاعر أمام الشرك والمنكرات علامة موت القلوب.
أهمية الاستماع للأعذار والتثبت قبل إصدار الأحكام: موسى لما استمع لتوضيح هارون وتأكد من براءته سكن غضبه وتحول التعنيف إلى دعاء مشترك بالمغفرة والرحمة.