تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 138)جامع البيانالطبري١٣/١٣٨: يوضح الطبري أن الله تعالى بعد أن توعد عبدة العجل والمفترين، فتح باب رحمته الواسعة التي لا تغلق أمام من ندم ورجع؛ فقال: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ} من الشرك وعبادة العجل وسائر الذنوب والآثام {ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا} أي رجعوا وأقلعوا وندموا على قبيح أفعالهم {وَآمَنُوا} بالله ورسوله إيماناً خالصاً صادقاً؛ {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي من بعد التوبة والإيمان {لَغَفُورٌ} لذنوبهم ساتر لعيوبهم {رَّحِيمٌ} بهم لا يعاقبهم بعد توبتهم النصوح.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 482)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨٢: يذكر ابن كثير أن هذه الآية الكريمة قاعدة عظيمة ترغب في التوبة وتفتح باب الرجاء لكل مذنب مهما تعاظمت ذنوبه؛ حتى من عبد العجل ووقع في أعظم الشرك إذا تاب وآمن تاب الله عليه وتجاوز عنه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة النصوح تهدم ما كان قبلها.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 306)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٠٦: يبين القرطبي أن التعبير بـ {ثُمَّ} يدل على عظيم كرم الله وفضله؛ فمع تباعد ما بين اقتراف السيئات الفظيعة وبين التوبة، إلا أن الله يقبل التائب إذا صدق وأخلص الإيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{السَّيِّئَاتِ}: جمع سيئة، وهي كل عمل يسوء عاقبته ويخالف أمر الله ونهيه من كفر وفسوق وعصيان.
{تَابُوا}: تاب يتوب توبةً، وأصل التوبة الرجوع والإنابة إلى الله بالإقلاع والندم والعزم على عدم العود.
الإعراب والتركيب:
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{عَمِلُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل.
{السَّيِّئَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة الظاهرة لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي.
{تَابُوا}: فعل ماضٍ وفاعل معطوف على عملوا.
{مِن بَعْدِهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (تابوا)، والهاء مضاف إليه تعود على السيئات (أو الفعلة السيئة).
{وَآمَنُوا}: معطوف على تابوا مبني على الضم.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.
{مِن بَعْدِهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (غفور) كرر لتأكيد التعليق على التوبة.
{لَغَفُورٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، (غفور) خبر إن أول مرفوع بالضمة.
{رَّحِيمٌ}: خبر إن ثانٍ مرفوع بالضمة، وجملة إن واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ (الذين) والرابط محذوف تقديره لغفور لهم.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في كلماتها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن القرآني المعجز بين الترهيب والترغيب: لما ذكر في الآية السابقة وعيد المفترين بالغضب والذلة، عطف هنا بفتح باب الأمل والتوبة؛ لئلا يقنط مذنب ولتظل القلوب معلقة برحمة الله ومغفرته.
تكرار {مِن بَعْدِهَا}: في الأولى {تَابُوا مِن بَعْدِهَا} وفي الثانية {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ}؛ لتأكيد الربط الجوهري بين التوبة وبين نيل المغفرة، وأن المغفرة لا تنال مع الإصرار وإنما تنال بعد التوبة والإيمان الصادق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف تقبل توبة عبدة العجل مع أن الله أمرهم بقتل أنفسهم في سورة البقرة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: لا تعارض إطلاقاً؛ فامتثالهم لأمر الله بالقتل وخضوعهم لتلك العقوبة الشاقة كان هو عين توبتهم الصادقة وعلامة تسليمهم وانقيادهم؛ فقتل بعضهم بعضاً كفارة لما اقترفوا ثم رفع الله عنهم القتل وقبل توبتهم وجعل قتلاهم شهداء وأحياءهم مغفوراً لهم؛ فالآية هنا تقرر الأصل الكلي في قبول توبة التائبين مهما بلغت خطيئتهم، وتفصيل تلك الكفارة في شريعتهم كان لحكمة خاصة بأمتهم، بينما في شريعة الإسلام جاء التخفيف بإسقاط القتل والاكتفاء بالإقلاع والندم والعزم الصادق.
إيراد صيغتي المبالغة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} مقترنتين باللام المزحلقة وإن: للتطمين المطلق وإزالة أي وسواس قد يعتري التائب من عدم قبول توبته بعد عظيم ذنبه.
عطف {وَآمَنُوا} على {تَابُوا}: تنبيه دقيق إلى أن التوبة من الشرك لا تصح بمجرد ترك المعبود الباطل، بل لا بد من إفراد الله بالعبادة وتصحيح العقيدة بالإيمان الصادق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سعة رحمة الله تعالى: لا يتعاظم ذنب أمام مغفرة الله؛ فمن جاء تائباً منيباً وجد ربه غفوراً رحيماً مهما كان ماضيه مظلماً.
واجب الدعاة والمربين التبشير بالتوبة وفتح أبواب الرجاء أمام العصاة والضالين وعدم إقناطهم من رحمة أرحم الراحمين.