تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 86)جامع البيانالطبري١٣/٨٦: ينقل الطبري عن السدي وقتادة وابن جريج أن موسى عليه السلام واصل تقريعهم وإلزامهم بالحجة، فقال مستنكراً جهلهم وجحودهم: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا}؛ أي أأطلب لكم معبوداً سواه أعبدكم إياه وأنا نبي التوحيد؟ {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}؛ أي والحال أنه سبحانه وتعالى هو الذي خصكم بالكرامة والنعمة وفضلكم على عالمي زمانكم بالرسل والمعجزات وفلق البحر وهلاك عدوكم واستنقاذكم من الذل والهوان؟ فكيف تجزون هذه النعم العظام بعبادة حجر أصم منحوت؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 466)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٦: يوضح ابن كثير أن الاستفهام إنكاري توبيخي يفيض بالتعجب من غلظة طباعهم؛ فالله المنعم المتفضل الذي أسبغ عليهم نعمه الباطنة والظاهرة هو وحده المستحق للعبادة والشكر، وطلب معبود غيره هو غاية اللؤم وكفران النعمة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 300)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٠٠: يذكر السعدي أن موسى ذكرهم بالداعي العقلي والوجداني للتوحيد، وهو استحقاق الله للعبادة لكمال ذاته ولتفرده بالإنعام العظيم والتفضيل لهم على غيرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَبْغِيكُمْ}: بغى يبغي بغاءً، والبغي هنا الطلب والالتماس، يقال: بغيتك الشيء، أي طلبته لك والتمسته لأجلك.
{فَضَّلَكُمْ}: التفضيل تصيير الشيء ذا فضل ومزية وتقديم على غيره بالكرامة والنعمة.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ}: فعل ماضٍ وفاعله مستتر (موسى).
{أَغَيْرَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، (غير) مفعول به مقدم لـ (أبغيكم) منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{أَبْغِيكُمْ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف ضمير متصل مفعول به أول (على تضمين أبغي معنى أطلب لكم).
{إِلَٰهًا}: تمييز منصوب بالفتحة، أو مفعول به ثانٍ لأبغيكم إذا عُدت غير حالاً.
{وَهُوَ}: الواو حالية، (هو) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{فَضَّلَكُمْ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (هو)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة.
{عَلَى الْعَالَمِينَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (فضلكم)، وعلامة الجر الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
القراءات المتواترة:
اتفق القراء العشرة على فتح همزة الاستفهام ونصب {غَيْرَ} وكسر هاء لفظ الجلالة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة العقلية القاطعة: بين استحقاق المنعم المطلق الذي فضلهم وأنجاهم، وبين البحث العبثي عن آلهة صماء لا تملك نفعاً ولا ضراً.
تقديم المفعول {أَغَيْرَ اللَّهِ}: يفيد قصر الإنكار على المفعول، أي أيمكن لعاقل أن يبتغي غير الله رباً وهو يرى فضل الله عليه يغمره من كل جانب؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يوصف بنو إسرائيل بأنهم مفضلون على العالمين {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} مع ما ظهر منهم من الجهل والنزوع إلى الشرك؟
الدفع والمحاكمة العقلية: التفضيل هنا مقيد بعالمي زمانهم؛ ففي ذلك العصر كانت البشرية غارقة في وثنيات مطبقة، وكان بنو إسرائيل هم الأمة الوحيدة التي تحمل راية التوحيد والرسالة وتملك النبوة والكتاب المنير ومعجزات فلق البحر والمن والسلوى؛ فتفضيلهم كان بما خصهم الله به من النعم والآيات؛ وليس تفضيلاً مطلقاً على أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي خير أمة أخرجت للناس بنص القرآن القاطع؛ والتفضيل أيضاً حجة عليهم لا لهم إذا نكصوا وعصوا.
أسلوب الاستفهام الإنكاري التوبيخي في {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا}: يبرز استحالة صدور هذا الطلب من نبي مرسل يدعو إلى التوحيد، ويعري سفاهة عقولهم في اقتراح هذا المنكر.
الجملة الحالية {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ}: قيد حالي يقطع كل حجة للمخاطب؛ لأن كفران نعمة المتفضل جريمة تقبح في كل العقول السليمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أعظم ما يحمي الإنسان من الشرك والبدع هو استحضار نعم الله وفضله عليه؛ فالمنعم بالخلق والرزق والنجاة هو وحده الذي يستحق كمال الحب وكمال الخضوع.
النعم والاصطفاء الإلهي يوجب مزيداً من الشكر والاستقامة، ولا يعطي صاحبه حصانة من المحاسبة إذا زاغ عن الصراط المستقيم.