تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 168)جامع البيانالطبري١٣/١٦٨: ينقل الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس في قوله {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أن هذا إنصاف إلهي قرآني عظيم لبني إسرائيل؛ فبين سبحانه أنهم ليسوا كلهم أشراراً ولا عبدة عجل ومفترين، بل منهم جماعة وطائفة مستمسكون بالحق الذي جاء به موسى، يدعون الناس إليه ويهتدون به في أنفسهم، وبه يقضون ويعدلون في أحكامهم بين الناس؛ وقيل هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بُعث كعبد الله بن سلام وأصحابه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 492)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٢: يوضح ابن كثير أن هذا الثناء نظير قوله تعالى في سورة آل عمران: {لَّيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]؛ فالقرآن يعلمنا العدل والموضوعية في الحكم على الأمم، فلا يجوز تعميم الذم على شعب أو أمة بأسرها إذا كان فيهم صالحون مصلحون.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 318)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣١٨: يذكر القرطبي أن الجمع بين {يَهْدُونَ بِالْحَقِّ} و{وَبِهِ يَعْدِلُونَ} يفيد كمال حالهم في العلم والعمل؛ فهم يهدون غيرهم بالحق في الفتوى والدعوة، ويعدلون به في القضاء والحكم والمواقف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أُمَّةٌ}: جماعة من الناس يجمعهم أمر واحد من دين أو نسب أو مقصد صالح.
{يَعْدِلُونَ}: عدل يعدِل عدلاً، والعدل الإنصاف والمساواة والحكم بالحق دون ميل مع الهوى.
{يَهْدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ (أمة).
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يهدون).
{وَبِهِ}: الواو عاطفة، جار ومجرور متعلقان بـ (يعدلون) قدم للاهتمام والقصر.
{يَعْدِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل معطوف على يهدون.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في كلماتها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإنصاف والعدل المنهجي في السياق القرآني: بعد أن ذكر جرائم عبدة العجل ومكر المفسدين واعتداءات بني إسرائيل، استدرك بذكر هذه الطائفة المؤمنة؛ لئلا يظن القارئ أن بني إسرائيل طمسوا بالكلية في الضلال، ولبيان أن الحق لا يخلو من قائم به في كل أمة.
تناسب هذه الآية مع الآية (181) القادمة من نفس السورة: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} وهي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ مما يعقد مقارنة شريفة بين خيار أتباع موسى وخيار هذه الأمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل هناك قوم من بني إسرائيل خلف الصين في وادٍ معزول يعبدون الله كما ترويه بعض الإسرائيليات الضعيفة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: نبه المحققون كابن كثير وابن تيمية إلى أن الروايات التي تزعم وجود قوم من بني إسرائيل في أقصى الأرض حفر لهم سرب في الأرض فخرجوا وراء الصين هم أمة معزولة، إنما هي من خرافات بني إسرائيل التي لا أصل لها في الأحاديث النبوية الصحيحة؛ والآية الكريمة واضحة الدلالة؛ فالمراد بالأمة طائفة صالحة كانت في زمن موسى ومن بعده من أنبيائهم تمسكت بالتوراة وهدت بالحق وعدلت به، أو هم الذين أسلموا عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه؛ وحمل القرآن على المعنى المشاهد الواقعي الموافق لسنن الله أولى وأصح من الرجم بالأوهام الخرافية.
التنكير في {أُمَّةٌ}: للتكثير والتعظيم لشأن هؤلاء الصالحين المصلحين.
تقديم الجار والمجرور في {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: يفيد الحصر والتخصيص؛ أي بالحق وحده يقضون ويعدلون دون محاباة لقريب ولا جور على عدو.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خلق الإنصاف القرآني: لا يحملنك بغض قوم أو عداوتهم على تعميم الأحكام الجائرة عليهم؛ فالعدل واجب مع الموافق والمخالف، وأهل الفضل يُعرف فضلهم ولو كانوا من بين صفوف الخصوم.
الجمع بين العلم والقضاء: المصلح الحقيقي هو الذي يهدي الناس بالحق تعليماً وإرشاداً، ويعدل به في معاملاته ومواقفه عملاً وتطبيقاً.