تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 183)جامع البيانالطبري١٣/١٨٣: ينقل الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي أن الله يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يسأل يهود المدينة سؤال تقريع وإلزام بالحجة عن خبر أسلافهم أهل قرية "أيلة" الساحلية على شاطئ بحر القلزم (البحر الأحمر بين مدين والطور)؛ حيث فرض الله عليهم تعظيم يوم السبت وحرم عليهم صيد السمك فيه ابتلاءً؛ فابتلاهم الله بأن جعل الحيتان تأتيهم يوم السبت {شُرَّعًا} بيضاء سمينة تطفو على وجه الماء ظاهرة بكثرة لا تحصى حتى تكاد تخرج إلى الشاطئ؛ وفي غير يوم السبت {لَا تَأْتِيهِمْ} وتغوص في أعماق البحر فلا يرون منها شيئاً؛ فطال عليهم الأمد وجاعت نفوسهم، فاحتالوا على حرمات الله بحفر الأخاديد والشباك يوم الجمعة لتدخلها الحيتان يوم السبت ثم يمسكونها يوم الأحد، وقالوا: ما صدنا يوم السبت! فكان هذا عدواناً وخروجاً صريحاً على شرع الله؛ والعلة: {كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 496)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٦حسن: يوضح ابن كثير أن الحيلة الفقهية الباطلة لاستباحة محارم الله لا تغير من حقيقة الذنب شيئاً؛ بل تجعل الذنب أشنع لما فيه من مخادعة الرب العليم بذات الصدور؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذراً أمته: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (أخرجه ابن بطة بسند حسن).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 330)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٣٠: يبين القرطبي أن حاضر الشيء هو الملاصق له والمشرف عليه؛ فكانت القرية على حافة البحر مباشرة، و{شُرَّعًا} جمع شارع؛ أي ظاهرة رافعة رؤوسها على سطح الماء كأنها شرعت في الدنو منهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حَاضِرَةَ}: الحاضرة نقيض البادية، وحاضرة البحر المقيمة على ساحله مباشرة وقريبة من مائه.
{يَعْدُونَ}: عدا يعدو عدواً وعدواناً، وهو مجاوزة الحد والظلم وخفر العهد.
{شُرَّعًا}: جمع شارع، من شَرَعَ في الماء إذا دخل فيه، والشارع هو الظاهر المرتفع المشرف.
{يَسْبِتُونَ}: سَبَتَ يَسْبِتُ، أي دخل في يوم السبت وأمسك عن العمل فيه.
الإعراب والتركيب:
{وَاسْأَلْهُمْ}: الواو استئنافية، فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{عَنِ الْقَرْيَةِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (اسألهم).
هذا التقابل الحاد هو جوهر الابتلاء والتمحيص؛ فالأرزاق الدنيوية تحضر بكثافة عند مواطن الحرمة وتغيب عند الإباحة؛ ليظهر الصابر المحتسب من الجشع المخادع.
التعليل الإلهي في الختام: {كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}؛ فالابتلاء بالفتن المشددة عقوبة سابقة على فسق قديم متأصل في نفوسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا امتحنهم الله بهذا الامتحان الشديد الذي يجلب الحيتان في يوم التحريم ويمنعها في يوم الإباحة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الابتلاء سنة الله في خلقه لتمييز الصادق من الكاذب؛ ولكن الله رحيم لا يبتلي العباد بالامتحانات الشاقة المعنتة ابتداءً بغير سبب؛ ولذلك علل الله هذا الابتلاء الصعب بقوله: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}؛ أي أن فسقهم المتكرر وتمردهم السابق على أوامر الرسل كان هو السبب في تضييق الخناق عليهم وتشديد الابتلاء؛ فالجزاء من جنس العمل، وسوء السلوك يستجلب مزيداً من التمحيص الإلهي الشديد.
إضافة السبت إليهم في {يَوْمَ سَبْتِهِمْ}: إشارة إلى أنهم هم الذين طلبوا هذا اليوم واختاروه وتكلفوا تعظيمه، فلما شرع لهم عجزوا عن الوفاء بحقه وعدوا فيه؛ فمن تشدد في الدين شدد الله عليه.
التنكير في {شُرَّعًا} وتكرار النفي بـ {لَا... لَا}: يرسم المشهد الحركي الحسي بوضوح؛ حيتان تملأ الأفق وتشرئب بالأعناق وتغري الأعين، ثم خواء مطبق في سائر الأيام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بطلان الحيل على محارم الله: الله يعلم السر وأخفى، والتحايل على الشرع بتغيير الأسماء أو التدليس الشكلي خديعة خاسرة لا تزيد صاحبها إلا مقتاً عند الله.
استدراج الرزق المحرم: إذا رأيت أبواب الكسب المحرم ميسرة مفتوحة وأبواب الحلال تضيق أحياناً، فاعلم أنه ابتلاء وامتحان لليقين، فاصبر واثبت؛ فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته.