تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 246)جامع البيانالطبري١٣/٢٤٦: يوضح الطبري أن الله تعالى قطع بالعذر الثاني الذي قد يعتذر به المشرك يوم القيامة؛ وهو عذر التقليد الأعمى والتبعية للآباء؛ فيقول المشرك: إنما وقع الشرك من آبائنا الأقدمين الذين ابتدعوا عبادة الأوثان، ونحن نشأنا بعدهم فوجدناهم على دين فاتبعناهم تلقائياً، فهل تهلكنا يا رب بذنب أولئك المبطلين الذين سنوا لنا الشرك؟ فبيّن الله أن ميثاق الفطرة والدلائل العقلية والرسل تقطع هذا العذر بالكلية؛ لأن كل إنسان يملك عقلاً يميز به بين عبادة الخالق الحق وبين عبادة الحجارة الصماء.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 508)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠٨: يذكر ابن كثير أن الله أقام الحجة على المشركين بانتفاء الغفلة أولاً، وبسقوط حجة التقليد ثانياً؛ فالإنسان ليس مجبراً على اتباع ضلال آبائه إذا عارضه البرهان الفطري والنبوي.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 348)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٤٨: يبين القرطبي أن الآية أصل في بطلان التقليد في أصول العقائد والتوحيد؛ فالتقليد إنما يغتفر للعامي في الفروع الاجتهادية، أما أصل معرفة الله وتوحيده فالعقول الفطرية ملزمة بالانقياد له دون تبعية عمياء للمضلين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْمُبْطِلُونَ}: جمع مبطل، وهو الفاعل للباطل المروج له المتبع لما لا حقيقة له ولا برهان.
الإعراب والتركيب:
{أَوْ}: حرف عطف للتقسيم والتنويع معطوف على (أن تقولوا) السابقة.
{تَقُولُوا}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة معطوف على تقولوا الأولى والواو فاعل.
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
{أَشْرَكَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{آبَاؤُنَا}: فاعل مرفوع بالضمة، و(نا) مضاف إليه.
{مِن قَبْلُ}: متعلقان بـ (أشرك)، ومبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
{وَكُنَّا}: الواو حالية أو عاطفة، فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{ذُرِّيَّةً}: خبر كنا منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مِّن بَعْدِهِمْ}: متعلقان بمحذوف نعت لـ (ذرية)، والهاء مضاف إليه.
{أَفَتُهْلِكُنَا}: الهمزة للاستفهام الاستنكاري، الفاء عاطفة، (تهلكنا) فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(نا) مفعول به، والجملة مقول القول.
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) مصدرية أو موصولة.
{فَعَلَ}: فعل ماضٍ.
{الْمُبْطِلُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق بـ (تهلكنا).
عذر التبعية والتقليد: {إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} في هذه الآية، وأسقطه بالاستقلال العقلي والمسؤولية الفردية.
استخدام الحصر بـ {إِنَّمَا}: يفضح تملصهم الكاذب ومحاولتهم إلقاء كامل التبعة على الأسلاف والهروب من المحاسبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: أليس نشأة الطفل في بيئة مشركة عذراً قاهراً يمنعه من معرفة التوحيد؟
الدفع والمحاكمة العقلية: النشأة في بيئة وثنية تؤثر في البداية ولكنها لا تسلب العقل إمكانية التفكير والتمييز عند بلوغ سن الرشد؛ فإذا كبر الإنسان ورأى نظام الكون المتقن وجاءه نداء الفطرة وبلغه بلاغ الرسل، وجب عليه أن يسائل موروثاته القديمة وأن يبحث عن الحق؛ فإذا اختار الجمود والتعصب لدين آبائه بدافع الكبر أو العادة فقد شارك آباءه في أصل الإبطال واستحق العقوبة بعدله تعالى؛ لأن المسؤولية الأخلاقية والعقدية في الإسلام مسؤولية فردية مستقلة: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الإسراء: 15].
الاستفهام الإنكاري في {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}: يصور الموقف النفسي للمقلدين حين يعاينون النار؛ فيحاولون التملص بحجج باطلة تستعطف العدل الإلهي بزعم أنهم ضحايا، والقرآن يكشف زيف هذا التحجج.
تسمية الأسلاف المشركين بـ {الْمُبْطِلُونَ}: فيه إقرار من هؤلاء الأتباع بأن ما كان عليه آباؤهم باطل محض، ومع ذلك اتبعوهم عليه في الدنيا، وهذا غاية التناقض وسقوط الحجة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطر التقليد الأعمى للموروثات والعادات: التقليد هو القيد الأكبر الذي عطل عقول البشرية عبر العصور عن قبول دعوات الرسل والإصلاح.
الاستقلال الفكري والعقدي: المسلم مطالب بتحرير عقله وتجريد اتباعه لله ورسوله، وألا يكون إمعة إن أحسن الناس أحسن وإن أساؤوا أساء.