تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 71)جامع البيانالطبري١٣/٧١: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد والسدي أن الله تبارك وتعالى استجاب لدعاء موسى فرفع عنهم العذاب رحمة وإمهالاً {إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ}؛ وهو الأجل المضروب لهلاكهم واستئصالهم غرقاً في البحر؛ فلما أمنوا وارتفع عنهم الرجز فاجأوا موسى بنقض العهد، فقالوا: ما هذا إلا سحر وما كان الله ليعذبنا، ورفضوا إطلاق بني إسرائيل ومردوا على غيهم؛ وعبر عن نقضهم بـ {يَنكُثُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 462)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٢: يوضح ابن كثير أن الكشف لم يكن رفعاً أبدياً للعقوبة، بل كان إمهالاً مؤقتاً إلى وقت محدد في علم الله وهو يوم الزينة وخروجهم خلف موسى إلى اليم؛ فكانت فجاءة نقضهم للعهد دليلاً على لؤم طباعهم وخستها.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 268)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٦٨: يذكر القرطبي أن النكث هو نقض الحبل المبرم بعد إحكامه؛ فاستعير لنقض العهود والمواثيق المؤكدة بالأيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{كَشَفْنَا}: كشف الشيء رفعه وأزاله بعد أن كان غطاءً أو بلاءً محيطاً.
{بَالِغُوهُ}: بلغ يبلغ بلوغاً، أي واصلون إليه حتماً لا محالة.
{يَنكُثُونَ}: نكث العهد ينكثه نكثاً، أي نقضه وأبطله ولم يفِ به بعد توكيده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مجيء {إِذَا} الفجائية في جواب {فَلَمَّا كَشَفْنَا}: يرسم صورة مذهلة لسرعة نقضهم للعهد؛ فبمجرد زوال الألم وبلوغ العافية، لم تمضِ لحظة واحدة حتى وقع النكث والخيانة، دون أدنى تفكير أو حياء.
التقييد بـ {إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ}: فيه وعيد خفي بأن هذا التأخير والرفع المؤقت ليس نجاة، بل هو استدراج إلى موعد الهلاك الحتمي الذي لا يملكون الفرار منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا يكشف الله العذاب عنهم وهو يعلم أنهم سينكثون عهودهم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: لله الحكمة البالغة في تدبير خلقه وسننه؛ فإمهال الكفار ورفع العذاب عنهم ليس دليلاً على الرضا عنهم ولا جهلاً بمآلهم، بل هو تحقيق لمبدأ الاختبار والابتلاء البشري، وإلزام لهم بالحجة من أنفسهم وأعمالهم؛ فلو أهلكهم في أول مرة لقالوا: لو كشفت عنا لآمنا؛ فلما كشف ونكثوا مرة بعد مرة ثبت عليهم العناد بالبرهان العملي القاطع الذي لا يدع مجالاً لمعذرة.
استعمال {إِذَا} الفجائية مع الجملة الاسمية {هُم يَنكُثُونَ}: يفيد أن النكث كان مفاجئاً ومباشراً وسريعاً جداً ومتمكناً من نفوسهم كأنه سجية راسخة وطبيعة متأصلة.
وصف الأجل بـ {هُم بَالِغُوهُ}: استعارة تؤكد أن الأجل يسير إليهم وهم سائرون إليه حتماً كهدف لا يتخلفون عنه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من نكث العهود مع الله؛ فمن تعاهد مع ربه عند المرض أو الفاقة بالصلاح ثم رجع إلى معصيته عند العافية والغنى فقد شابه آل فرعون في خصلة من أخس خصال النفاق.
إمهال الله للظالمين ليس إهمالاً؛ فلكل ظالم أجل محتوم سينتهي إليه حتماً ليأخذه أخذ عزيز مقتدر.