تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 340)جامع البيانالطبري١٣/٣٤٠: يوضح الطبري أن الله تعالى يسفه عبادة الأصنام بأوضح تشريح حسي مقارن؛ فيقول مقارعاً المشركين: ألهذه الآلهة التي تعبدونها أرجل تمشي بها لقضاء حوائجكم والدفاع عنكم؟ أم لهم أيدٍ يبطشون بها ويدفعون الأذى؟ أم لهم أعين يبصرون بها ما ينزل بكم؟ أم لهم آذان يسمعون بها دعاءكم وتضرعكم؟ وأنتم أيها البشر لكم أرجل تمشون بها وأيد تبطشون بها وأعين تبصرون بها وآذان تسمعون بها؛ فأنتم أكمل منها وأقوى حواساً فكيف يعبد الحي الكامل الجوارح جماداً عاجزاً أعمى أصم مشلولاً لا حراك به؟! ثم أمر نبيه أن يعلن التحدي الأكبر لقريش وآلهتهم مجتمعين: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ}؛ أي استجمعوا كل آلهتكم وأصنامكم وكيدوا لي بكل حيلة واقصدوا إهلاكي ولا تمهلوني طرفة عين، فسترون عجزكم وعجز آلهتكم أمام حفظ الله لرسوله.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 535)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٥: يذكر ابن كثير أن هذا التحدي نظير تحدي هود عليه السلام لقومه عاد حين قالوا له: {إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ} [هود: 54-55]؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وحده بين أظهر كفار قريش في مكة يتحداهم ويتحفز أصنامهم ويسفهها ولا تملك له ضراً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 395)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٩٥: يبين القرطبي أن البَطْش هو الأخذ الشديد بالقوة، وأن التحدي بـ {فَلَا تُنظِرُونِ} أي لا تؤخروني ولا تمهلوني ساعة واحدة دلالة على اليقين المطلق بعصمة الله وتأييده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَبْطِشُونَ}: بطش يبطِش بطشاً، وهو الأخذ بعنف وسطوة وقوة.
{قُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{ادْعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{شُرَكَاءَكُمْ}: مفعول به منصوب وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي.
{كِيدُونِ}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية وياء المتكلم المحذوفة رسماً مفعول به.
{فَلَا}: الفاء عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تُنظِرُونِ}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة مفعول به، والجمل مقول القول.
القراءات المتواترة:
قرأ ورش وأبو جعفر بإثبات الياء وصلاً: {كِيدُونِي} و{فَلَا تُنظِرُونِي}.
وقرأ ابن كثير ويعقوب بإثباتها وصلاً ووقفاً.
وقرأ الباقون بحذف الياء وصلاً ووقفاً مع كسر النون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الرباعي الحسي الفاحم: استعرض القرآن آلات الحركة والقوة والإدراك:
الرجل للمشي والسعي.
اليد للبطش والدفاع والأخذ.
العين للإبصار والمعاينة.
الأذن للسمع والاستجابة.
فلما سلب هذه الجوارح الأربع عن الأصنام ثبت شللها الكامل وجمادها المطلق.
الانتقال الفوري إلى التحدي النبوي الحاسم: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ}؛ برهان عملي يلقي الرعب في قلوب المشركين؛ فرجل واحد أعزل يتحدى آلهتهم وقريشاً مجتمعة فلا يجرؤ صنم على لمسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ألا يمكن أن يكون التحدي خاصاً بزمان النبي صلى الله عليه وسلم؟
الدفع والمحاكمة العقلية واليقينية:
هذا التحدي القرآني الخالد قائم إلى يوم القيامة في وجه كل وثنية وكل طاغوت يدعى من دون الله؛ فكل الأنداد والأصنام المصنوعة عبر التاريخ عاجزة عن أن تدفع عن نفسها أو تضر موحداً صادقاً يعتصم بالله؛ وهذا التحدي برهان قطعي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان هناك مثقال ذرة من قوة أو نفع لتلك الآلهة لأصابت النبي صلى الله عليه وسلم بسوء وهو يسبها ويسفهها في عقر دارها بمكة لعشر سنين متوالية.