أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 293)جامع البيانالطبري١٢/٢٩٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}: "يقول: لنسألن الأمم عما أجابوا به المرسلين، ولنسألن المرسلين عما بلّغوا، وماذا رُد عليهم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 377)مصدر غير محدد٣/٣٧٧: "يخبر تعالى أنه يسأل جميع الخلائق يوم القيامة؛ يسأل الأمم التي أُرسلت إليها الرسل: ماذا أجبتم المرسلين؟ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}، ويسأل الرسل الكرام عما بلغوا وماذا أجيبوا، كقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}؛ لإقامة الحجة وإظهار العدالة التامة والشهادة على الخلائق".
قال القرطبي (7/ 163)مصدر غير محدد٧/١٦٣: "السؤال هنا سؤال تقرير وتوبيخ للكفار، وسؤال تشريف وإشهاد للأنبياء والمرسلين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والتركيب:
{فَلَنَسْأَلَنَّ}: الفاء استئنافية للتوكيد، اللام موطئة للقسم المحذوف (والله لنسألنّ)، نسألن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن، ونون التوكيد حرف لا محل له.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول لـ (نسألن).
{أُرْسِلَ}: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على الرسل أو على الأمر.
{إِلَيْهِمْ}: متعلق بـ (أُرسل)، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَلَنَسْأَلَنَّ}: الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، نسألن مضارع مبني على الفتح ونون التوكيد حرف والفاعل مستتر.
{الْمُرْسَلِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومحكمة العدالة الإلهية المطلقة: بعد أن ذكر هلاك الأمم في الدنيا واعترافهم بالظلم، ارتقى السياق إلى المحكمة الأخروية الكبرى؛ ليعلم الناس أن هلاك الدنيا ليس نهاية المطاف، بل يعقبه سؤال تفصيلي جامع ومواجهة بين الرسل وأممهم لتوثيق الشهادة وإظهار عدل الله؛ فالكل سيقف في قفص المساءلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين إثبات السؤال هنا ونفيه في قوله {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ}:
ظن بعض الطاعنين تعارضاً بين الآيتين، وبيّن حبر الأمة ابن عباس والمحققون التوفيق الجلي:
تعدد المواطن والأوقات في يوم القيامة: فيوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة وفيه مواقف شتى؛ ففي موطن يُسكتون وتطمس أفواههم وتعرف سيماهم فلا يسألون، وفي موطن آخر يُستنطقون ويُسألون سؤال تقرير وتبكيت.
الفرق بين أنواع السؤال: السؤال المنفي هو "سؤال الاستعلام والاستفهام"؛ لأن الله عليم بكل شيء لا تخفى عليه خافية فلا يحتاج أن يسأل ليعلم، أما السؤال المثبت في الآية فهو "سؤال التقرير والتبكيت وإقامة الحجة والشهادة على رؤوس الأشهاد".