تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 156)جامع البيانالطبري١٣/١٥٦: يوضح الطبري أن هذه الآية بيان للموصوفين بالرحمة الخاصة المكتوبة في الآية السابقة؛ فهم أتباع خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، المنعوت في كتبهم السابقة بالأمي (الذي لا يقرأ ولا يكتب من أمة العرب الأميين)؛ يجد أهل الكتاب اسمه وصفته ومبعثه مسطوراً عندهم في التوراة والإنجيل؛ ومن صفاته الجليلة: يأمر بكل ما عرف حسنه في العقول والشرائع، وينهى عن كل ما استقبحته الفطر السليمة، ويحل لهم الطيبات من الأقوات والمكاسب، ويحرم عليهم الخبائث من الميتة والدم والخنزير والربا، ويضع عنهم الإصر والآصار والأغلال؛ وهي الآصار الشديدة والتكاليف المرهقة التي كانت مفروضة على بني إسرائيل عقوبة لهم كقتل النفس للتوبة وقرض موضع النجاسة بالمقراض وتحريم الشحوم؛ فجاء شريعته سمحة بيضاء؛ فمن آمن به وعزره (وقره وعظمه) ونصره واتبع القرآن، فأولئك هم الفائزون بالسعادة المطلقة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 487)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨٧: ينقل الحافظ ابن كثير حديث عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة! قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين؛ أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر...» (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 311)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣١١: يبين القرطبي أن قوله {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ} استعارة بديعة للتكاليف الثقيلة والأغلال المعنوية؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثت بالحنيفية السمحة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْأُمِّيَّ}: نسبة إلى الأُمّة، أي الباقي على جِبلّة ولادته من أمه لا يكتب ولا يقرأ من كتاب؛ أو نسبة إلى أم القرى وهي مكة المكرمة.
{إِصْرَهُمْ}: الإصر الثقل والعهد المؤكد، واستعير للتكاليف الشاقة التي تثقل كاهل المكلف كأنها حمل ينوء به.
{وَالْأَغْلَالَ}: جمع غُلّ، وهو طوق من حديد يجمع اليدين إلى العنق، واستعير هنا للقيود الشرعية المشددة والآصار التي كبلت بها شرائعهم السابقة.
{الْمُفْلِحُونَ}: خبر أولئك (أو خبر هم)، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين)، وفلاحهم الفوز بالجنة والنجاة من النار.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عامر {آصَارَهُمْ} بالجمع والمد.
وقرأ الباقون {إِصْرَهُمْ} بالإفراد وكسر الهمزة، والمراد به الجنس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص تتويج رباني لمشهد الميقات والمناجاة في قصة موسى؛ حيث بيّن الله لموسى أن كمال رحمته المكتوبة في الأزل ستؤول إلى هذه الأمة المرحومة المتبعة للنبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم.
الصفات السبع الباهرة للنبي الخاتم ورسالته:
الرسالة والنبوة والأمية الجامعة.
ثبوته في الكتب السابقة برهاناً تاريخياً ونبوياً.
الأمر بالمعروف الكلي.
النهي عن المنكر المستقبح.
إحلال الطيبات النافعة.
تحريم الخبائث الضارة.
وضع الآصار والأغلال ورفع الحرج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: يزعم بعض أهل الكتاب المعاصرين أن صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم غير موجودة في التوراة والإنجيل اليوم!
الدفع والمحاكمة العقلية والتاريخية:
صرح القرآن بأن صفته مكتوبة عندهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدى به أحبارهم ورهبانهم في المدينة ومكة، ولم يستطع حبر واحد منهم أن يكذب هذه الآية علناً، بل آمن منهم جم غفير كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وسلمان الفارسي والنجاشي ملك الحبشة، واعتراف هؤلاء الأعلام حجة تاريخية دامغة تثبت وجود النعوت في نسائخهم الأصلية غير المحرفة.
التحريف والتبديل الذي طال نصوص الكتاب المقدس عبر القرون لم يمحُ البشارات بالكلية، بل لا تزال الأناجيل والعهود القديمة إلى اليوم تتضمن بشارات واضحة بـ "النبي المنتظر" و"الفارقليط" و"نبي من إخوة بني إسرائيل" ونور قادم من جبال فاران (جبال مكة)، مما يؤكد صدق الخبر القرآني إعجازاً وتاريخاً.
وصف القرآن بـ {النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ}: استعارة تصريحية عظمى؛ فالقرآن نور يبدد ظلمات الشرك والجهل والشك، ويكشف للسالكين دروب الحق كالنور الساطع في الليلة الظلماء.
التعبير بـ {أُنزِلَ مَعَهُ} دون «إليه»: للدلالة على مصاحبة النور له؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم حامل للنور ومقترن به وهديه وسنته تجسيد حي لهذا النور الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يسر الشريعة الإسلامية ورفع الحرج عنها: دين الإسلام دين الفطرة واليسر، جاء ليحرر البشرية من الآصار والأغلال والتعقيدات الكهنوتية، فما حرم إلا خبيثاً ضاراً، وما أحل إلا طيباً نافعاً.
معايير الفلاح الأخروي الأربعة: الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه وتوقيره ومحبته، ونصرة دينه وشريعته، واتباع القرآن الكريم علماً وعملاً.