تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 114)جامع البيانالطبري١٣/١١٤: ينقل الطبري عن سفيان بن عيينة وقتادة وابن جريج في قوله {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ} قال سفيان: أنزع عنهم فهم القرآن والتدبر في آياتي فلا يعقلونها؛ وأصرف قلوبهم عن الاعتبار بالمعجزات والحجج الكونية؛ جزاءً وفاقاً على استكبارهم على خلق الله بغير حق وتمردهم على شرعه؛ فمن عاقبة كبرهم أنهم يعاينون البراهين فلا يؤمنون، ويرون طريق الهدى والاستقامة فيعرضون عنه، ويرون طريق الضلال والهلاك فيسلكونه طائعين فرحين به؛ والسبب الجوهري: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 474)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٤: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذه سنة إلهية عدلية قطعية؛ فكما تكبروا عن الانقياد للحق، أذل الله قلوبهم وحرمهم نور الفهم والبصيرة؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110].
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 290)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٩٠: يذكر القرطبي أن الكبر من أعظم الحجب المانعة من العلم النافع والتوفيق؛ لأن المتكبر يرى نفسه أكبر من الانقياد للمعلم أو الخضوع للبرهان؛ فيعاقبه الله بالعمى الفكري والانتكاس القلبي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَأَصْرِفُ}: صرف يصرف صرفاً، والصرف إمالة الشيء وتوجيهه عن وجهته الحقيقية إلى جهة أخرى.
{الرُّشْدِ}: الرشد الاستقامة على طريق الحق والصواب النافع في المعاد والمعاش.
{الْغَيِّ}: الغي نقيض الرشد، وهو الضلال والانسياق مع الهوى إلى الردى.
ختم الآية بذات العلة التي ختم بها غرق آل فرعون في الآية (136): {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}؛ ليربط بين هلاك الأبدان بالغرق وبين هلاك القلوب بالصرف عن الفهم والهدى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل صرف الله قلوبهم عن الآيات ظلم لهم وجبر على الكفر؟
الدفع والمحاكمة العقلية: حاشا لله أن يظلم أحداً؛ والآية نصت صراحة على أن الصرف كان عقوبة لاحقة على جريمة سابقة اختاروها بمحض إرادتهم وهي: {يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} و{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}؛ فالإنسان حين يتكبر ويكذب بالحق الذي جاءه باختياره، تسلبه العدالة الإلهية نعمة التوفيق والانشراح للهدى؛ فالصرف جزاء وفاق وعقوبة عادلة على سوء الاختيار والاستكبار، كما يطرد الطبيب المريض الذي يعاند العلاج ويفسد الدواء عمداً.
التقييد بـ {بِغَيْرِ الْحَقِّ}: صفة كاشفة مبينة لحقيقة كبر المخلوق؛ فالكبر لا يكون بحق أبداً لأي مخلوق فانٍ؛ لأن العظمة والكبرياء رداء الله وصفته الخاصة، فكل تكبر من المخلوق فهو كذب وزور وظلم صريح.
التكرار الموازي في {وَإِن يَرَوْا... لَا يَتَّخِذُوهُ} و{وَإِن يَرَوْا... يَتَّخِذُوهُ}: يبرز الاختلال العقلي والنفسي التام للمتكبر، حتى صار الحق عنده منفوراً والباطل عنده مألوفاً محبوباً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الأكبر من داء الكبر: إنه السم الزعاف الذي يحرم القلب لذة فهم الوحي وتدبر القرآن؛ وما انتكس من انتكس من أذكياء العالم وملاحدته إلا بسبب كبر واستعلاء منعهم من التسليم لخالقهم.
التواضع مفتاح الفهم عن الله: من أراد أن يفتح الله عليه في تدبر كتابه فعليه أن يدخل إليه بقلب منكسر خاضع متجرد من التعالي والغرور.