تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 348)جامع البيانالطبري١٣/٣٤٨: يوضح الطبري أن الله تعالى يصف صورة الأصنام المنحوتة تشبيهاً وتقريعاً لعابديها؛ فيقول: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا} لأنها حجارة ميتة لا حياة فيها ولا سمع؛ {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} لأن الصانع نحت لها وجوهاً وصور لها أعيناً مفتوحة من خرز أو جواهر تقابلك كأنها تنظر إليك نظرة الناظر المحدق، {وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} حقيقة لأنها أعين صناعية عمياء لا روح فيها ولا بصر؛ وقيل المراد المشركون أنفسهم تراهم ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وبراهينه الشاخصة بأعين رؤوسهم ولكن بصائرهم عمياء مطموسة لا تبصر الحق.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 538)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٨: يرجح ابن كثير المعنى التصويري للأصنام؛ فهي مصنوعة على هيئة الشاخص بأعينه، فتحسبها ناظرة وهي جماد ميت أصم؛ وهذا من أبدع التمثيل القرآني لتسفيه عقول من يعبد تمثالاً لا يبصر ولا يسمع.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 399)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٩٩: يبين القرطبي أن الآية تجمع الوجهين في غاية الإعجاز؛ فهي تصور جمود الصنم وبطلانه، وتصور في نفس الوقت بلادة المشرك الذي يملك عيناً تنظر ولا تبصر حقائق الوحي كأنه صنم من الأصنام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَنظُرُونَ}: النظر تقليب البصر نحو المرئي طلباً لرؤيته، وقد يطلق على المقابلة والمحاذاة بالوجه.
{يُبْصِرُونَ}: الإبصار إدراك المرئي بحاسة البصر وانطباع صورته في الذهن.
الإعراب والتركيب:
{وَإِن}: الواو عاطفة، (إن) حرف شرط جازم.
{تَدْعُوهُمْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع.
{إِلَى الْهُدَىٰ}: متعلقان بـ (تدعوهم).
{لَا}: نافية مهملة.
{يَسْمَعُوا}: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{وَتَرَاهُمْ}: الواو حالية أو استئنافية، (ترى) فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة للتعذر والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به أول.
{يَنظُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (ترى) أو حال.
{إِلَيْكَ}: متعلقان بـ (ينظرون).
{وَهُمْ}: الواو حالية، (هم) ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: نافية.
{يُبْصِرُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم)، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على جزم {لَا يَسْمَعُوا} جواباً للشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الدقيقة بين النظر الصوري والإبصار الحقيقي:
ختام مشهد المحاكمة العقلية للأصنام: انتهى بالبرهان الحسي النهائي القاطع الذي يراه كل إنسان؛ صنم منحوت له عينان مفتوحتان جامدتان لا تبصران شيئاً، مما يقطع كل عذر لمن يسجد لمثل هذا الخشب والحجر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ما الفرق بين النظر والإبصار في قوله {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}؟
الدفع والمحاكمة اللغوية والعقلية الدقيقة:
النظر هو توجيه البصر والمواجهة نحو الشيء؛ والإبصار هو إدراك حقيقة الشيء والتأثر به؛ فالصنم المخرط المنحوت وُضعت له عينان زجاجيتان أو حجريتان تقابلان الناظر كأنه يحدق فيه، ولكنه فاقد لحاسة البصر والإدراك؛ وكذلك المشرك المعاند قد يحدق بعينه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآيات القرآنية ولكنه لا يبصر نور الحق ولا ينتفع به لعمى بصيرته؛ فاجتمع في اللفظ كمال المعنى الحسي للأصنام والمعنى النفسي لخصوم الوحي.
الصورة الكاريكاتورية المعجزة للأصنام: تجسيم تصويري بديع لجمود الصنم؛ تمثال شاخص يقابل الناس بعينين ميتتين جاحظتين لا رمش فيهما ولا نور، يثير السخرية والرثاء لمن يرجو منه البركة.
الحال المؤكدة بـ {وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} بالجملة الاسمية: لبيان أن العمى وعدم الإبصار صفة ثابتة لازمة لا تنفك عنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة البصيرة الحقيقية: الشأن ليس في نظر الأعين بل في إبصار القلوب: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
شكر نعمة الحواس وتسخيرها في طاعة الله: العين التي لا تبصر آيات الله ولا تدمع من خشيته، والأذن التي لا تسمع الوحي سماع قبول، تشبهان أعين وآذان الأصنام الميتة؛ فالمؤمن يحيي جوارحه بنور الإيمان والقرآن.