تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 38)جامع البيانالطبري١٣/٣٨: يفسر الطبري {فَوَقَعَ الْحَقُّ} أي ظهر الحق وتبين وثبت لمن حضر الجمع؛ و{بَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي ذهب واضمحل وسقط ما كان السحرة يعملونه من التخييل والكيد؛ لأن العصا التهمت موادهم فلم يبق منها شيء في الميدان.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 449)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٤٩: ينقل الحافظ ابن كثير أن الحق استقر وثبت برهانه بالمعاينة الحسية، وتلاشى كل ما صنعه أهل السحر، وثبت أن موسى رسول من رب العالمين حقاً لا سراً ولا تمويهاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 251)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥١: يوضح القرطبي أن الوقوع هنا استعارة للثبوت والظهور والتحقق؛ كما يقال: وقع القول عليهم، أي ثبت ووجب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَقَعَ}: الوقوع في الأصل السقوط من علو، ويستعمل مجازاً في الثبوت والوضوح والاستقرار كوقوع الشيء على الأرض واستقراره فيها.
{بَطَلَ}: بطل يبطل بطلاناً، والباطل هو الساقط الضائع الذي لا حقيقة له ولا ثبات له في الوجود الخارجي.
الإعراب والتركيب:
{فَوَقَعَ}: الفاء سببية عاطفة، (وقع) فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{الْحَقُّ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{وَبَطَلَ}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ (بطل).
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص مبني على الضم، والواو اسمه.
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء على قراءة الفعلين بصيغة الماضي المبني للمعلوم {فَوَقَعَ} و{بَطَلَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التام بين {فَوَقَعَ الْحَقُّ} و{وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ فمع ظهور الحق يزول الباطل ضرورةً، كما قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18].
عبر عن الحق بالوقوع وعن سحرهم بالبطلان؛ لأن الحق له ثقل وثبات وجذر راسخ، بينما صنيع الباطل هش لا قوام له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عبر بلفظ {فَوَقَعَ الْحَقُّ} والوقوع يوحي بالسقوط؟
الدفع والمحاكمة العقلية: استعملت العرب الوقوع في معنى النزول الحاسم والثبوت القاطع كوقوع الصخرة من رأس الجبل واستقرارها الراسخ الذي لا يتزعزع؛ فالحق نزل كالصاعقة على رؤوس المبطلين وثبت في الميدان ثبوتاً لا يقبل الشك؛ وفي المقابل بطل عملهم بطلاناً حسياً وعقلياً.
استعارة الوقوع للحق: تجسيم للمعنى المعنوي وإلباسه ثوب الواقع المحسوس المشاهد بالأبصار؛ فالحق لم يعد مجرد دعوى تقال بل صار واقعاً قائماً يراه الجميع عياناً.
الطباق المقابل: بين الحق والباطل، وبين الثبوت بالوقوع والزوال بالبطلان، مما يضفي على النظم قوة ورسوخاً في النفس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طبيعة الباطل مهما انتفخ وزخرف أنه يحمل بذور فنائه في ذاته؛ فإذا واجهه الحق الصافي تهاوى الباطل كالسراب.
العمل لغير الله باطل لا بقاء له؛ فكل عمل مؤسس على التزوير والتلبيس مصيره الزوال والبوار مهما أُنفقت فيه الأموال وحُشدت له الطاقات.