تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 377)جامع البيانالطبري١٣/٣٧٧: يروي الطبري بإسناده الصحيح عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: «فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النَّفَل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بَواء - أي على السواء والعدل - وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين».
مسند الإمام أحمد (ج 5، ص 323، حديث رقم 22812): يروي الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «لما كان يوم بدر قُتل أخي عمير، وقتلتُ سعيد بن العاص بن أمية وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكثيفة، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: ليس هذا لي ولا لك اضعه حيث أخذته، فذهبت وأنا حزين، فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنك سألتني السيف وليس هو لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 4)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤: يوضح ابن كثير أن المسلمين يوم بدر انقسموا إلى ثلاث فرق: فرقة سابقت وطاردت العدو وجمعت الغنائم، وفرقة أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وحرست العريش لئلا يباغته العدو، وفرقة قاتلت على الثغور؛ فلما جمعت الغنائم قالت الفرقة الأولى: نحن حزناها؛ وقالت الثانية والثالثة: لستم بأحق بها منا، فقد كنا نحرس النبي ونقاتل؛ فنزلت الآية بحسم النزاع ونزع ملكيتها وردها لله ورسوله، ثم قسمها رسول الله بالسوية، ليعلم الجميع أن الجهاد لله وحده وليس من أجل المغانم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 365)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٦٥: يبين القرطبي أن الآية الكريمة تضمنت ثلاث وصايا جامعة: تقوى الله في كل حال، إصلاح ذات البين بنبذ التنازع والشحناء وتطهير القلوب، وطاعة الله ورسوله؛ وجعل ذلك شرطاً في كمال الإيمان {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْأَنفَالِ}: جمع نَفَل بفتحتين، وأصل النفل في اللغة: الزيادة والفضل؛ ومنه صلاة النافلة لأنها زيادة على الفريضة، ونفل الغازي إذا أُعطي زيادة على سهمه؛ وسميت غنائم الحرب أنفالاً لأنها فضل تفضل الله به على هذه الأمة وزيادة أحلها لهم بعد أن كانت محرمة على من قبلهم (حيث كانت تنزل نار من السماء فتأكل الغنائم).
{ذَاتَ بَيْنِكُمْ}: البَيْن هو الوصل والفرقة بحسب السياق، والمراد هنا: الحالة والرابطة التي بين القلوب والأفراد؛ وإصلاح ذات البين هو إزالة أسباب الشقاق والشحناء وإحلال المودة والتراضي والائتلاف بدلها.
الإعراب والتركيب:
{يَسْأَلُونَكَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{عَنِ الْأَنفَالِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يسألونك).
{قُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لِلَّهِ}: اللام حرف جر للاستحقاق، لفظ الجلالة مجرور باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.
{وَالرَّسُولِ}: الواو عاطفة، الرسول معطوف على لفظ الجلالة مجرور بالكسرة، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول في محل نصب.
{فَاتَّقُوا}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، اتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَأَصْلِحُوا}: الواو عاطفة، أصلحوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{ذَاتَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{بَيْنِكُمْ}: بين مضاف إليه وهو مضاف والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{وَأَطِيعُوا}: معطوف على ما قبله.
{اللَّهَ}: مفعول به منصوب.
{وَرَسُولَهُ}: معطوف والهاء مضاف إليه.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُم}: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
{مُّؤْمِنِينَ}: خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (أي: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله وأصلحوا وأطيعوا).
القراءات المتواترة:
قرأ ابن مسعود وعلي بن أبي طالب في غير المتواتر: {يَسْأَلُونَكَ الْأَنفَالَ} بإسقاط "عن" ونصب الأنفال؛ والقراءة المتواترة بإجماع القراء العشرة بإثبات حرف الجر {عَنِ الْأَنفَالِ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ابتدأت السورة بالسؤال المالي المادي الذي ثار بين الصحابة حول الغنائم، ولكن الجواب الإلهي لم يأتِ بتحديد النسب والتوزيع مباشرة؛ بل صُرف الجواب أولاً إلى التزكية الروحية والأخلاقية: {قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.
أسلوب الحكيم: تحويل السائلين عما سألوا عنه من حظوظ الدنيا إلى ما هو أوجب وأولى وأبقى: وهو حفظ وحدة الصف، وسلامة الصدور، وتقوى الله، وتقديم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على حظوظ النفوس؛ ثم أرجأ تفصيل القسمة المالية إلى الآية الحادية والأربعين: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الاختلاف بين الصحابة في بدر ومحاكمة المشككين:
زعم بعض الطاعنين أن تنازع الصحابة رضي الله عنهم في غنائم بدر يقدح في عدالتهم ويثبت أن جهادهم كان طلباً للمال والمغانم!
الدفع والمحاكمة الرصينة عند أئمة السنة والتحقيق:
الصحابة رضي الله عنهم بشر تجري عليهم الطبائع البشرية، ولم تكن أحكام الغنائم قد شُرعت بعد؛ إذ كانت غزوة بدر أول قتال فاصل يُغنم فيه مال عظيم في تاريخ الإسلام، ولم يكن في الجاهلية نظام عادل بل كان القوي ينهب الغنيمة أو يستأثر بها الرئيس ("المرباع والصفايا").
هذا الخلاف العارض كان دافعاً لظهور التشريع الرباني المعجز؛ وما إن نزل قوله تعالى: {قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} حتى سلم الصحابة تسليماً مطلقاً، وتركوا الغنائم بلا مراجعة ولا تردد، وقبلوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب نفس؛ وهذا أعظم برهان على كمال إيمانهم وترفعهم عن الدنيا وانقيادهم التام لحكم الوحي.
رد الملكية المطلقة بـ {لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}: تقديم لفظ الجلالة والرسول يفيد القصر والاختصاص؛ لتجريد النفوس من التملك والمنة، وإشعار المجاهدين بأنهم أجراء عند الله وأن الفضل كله لله في إحلال الغنيمة والنصر.
التذييل التقريري {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: استنهاض إيماني بليغ؛ فالإيمان الصادق يستلزم الطاعة وإصلاح ذات البين، ومن لا يصلح ذات بينه ويطيع الله ورسوله فإيمانه مدخول وناقص.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة النزاع المالي في العمل الإسلامي: أعظم ما يفسد ذات البين في الجماعات والدعوات هو التنافس على المكاسب المادية أو المناصب؛ والواجب قطع مادة النزاع برد الأمر للشرع الحكيم.
منزلة إصلاح ذات البين: إصلاح ذات البين من أعظم القربات؛ وفي الحديث الصحيح: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».