تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 214)جامع البيانالطبري١٣/٢١٤: يروي الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومجاهد أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل بالألواح من عند الله وفيها التوراة والأحكام والفرائض الشاقة، تمردوا وقالوا: انشرها علينا فإن كانت أحكامها سهلة خفيفة قبلناها وإلا تركناها! فغضب الله عليهم، فأمر جبريل أو الملائكة فقلعوا جبل الطور من أصله ورفعوه فوق رؤوسهم في الهواء حتى صار يظلهم كالسحابة أو المظلة {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}؛ وتيقن بنو إسرائيل أن الجبل ساقط عليهم ومطبق على أجسادهم لا محالة؛ وقيل لهم في ذلك الموقف الرهيب: إن أخذتم التوراة ورضيتم بما فيها بجد وعزم ألقينا الجبل مكانه وأنجيناكم، وإن أبيتم رضمناكم به رضحاً؛ فسجدوا على شق وجوههم وهم ينظرون بالشق الآخر إلى الجبل خوفاً من سقوطه عليهم؛ فكانت تلك السجدة التي يقبلها الله منهم مع خوفهم وإذعانهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 504)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠٤: يوضح ابن كثير أن نتق الجبل كان مشهداً هائلاً خارقاً للعادة ألزمهم الله به الميثاق لما ظهر من عنادهم وتمردهم؛ فأخذوا الميثاق تحت وطأة هيبة القدرة الإلهية؛ وأمروا بأخذ الكتاب بقوة وعزم وتذكر أحكامه لعلهم يتقون سخط الله.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 348)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٤٨: يبين الشنقيطي معنى النتق؛ وهو القلع والرفع والزعزعة من الأصل؛ يقال: نتقت الشيء إذا زعزعته وقلعته من مكانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{نَتَقْنَا}: نَتَقَ يَنْتُقُ نَتْقاً، أي قلع وجذب ورفع ونفض، والمراد قلعنا الجبل ورفعناه في الجو فوقهم.
{ظُلَّةٌ}: ما أظلك من سحاب أو سقف أو شجر يمنع الشمس والمطر.
{وَاقِعٌ}: اسم فاعل من وقع، أي ساقط عليهم فمطبق ومدمر.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: ظرف زمان متعلق بـ (اذكر) محذوفاً.
{نَتَقْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
{الْجَبَلَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَوْقَهُمْ}: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (نتقنا) وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{كَأَنَّهُ}: (كأنّ) حرف تشبيه ونصب والهاء اسمها.
{ظُلَّةٌ}: خبر كأن مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الجبل.
{وَظَنُّوا}: الواو عاطفة أو حالية، فعل ماضٍ والواو فاعل.
{أَنَّهُ}: (أنّ) حرف توكيد ونصب والهاء اسمها.
{وَاقِعٌ}: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِهِمْ}: متعلقان بـ (واقع)، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي ظنوا.
{خُذُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، على تقدير قول محذوف مقول له (قلنا خذوا).
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
{آتَيْنَاكُم}: فعل وفاعل ومفعول والجملة صلة الموصول.
{بِقُوَّةٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال؛ أي ملتبسين بجد وعزم.
{وَاذْكُرُوا}: معطوف أمر وفاعل.
{مَا}: اسم موصول مفعول به.
{فِيهِ}: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
{لَعَلَّكُمْ}: حرف ترجٍّ ونصب والكاف اسمها.
{تَتَّقُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة خبر لعل.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في ألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد الرهيب ختام مهيب لقصص بني إسرائيل مع موسى في سورة الأعراف؛ حيث يذكرهم بأصل الميثاق الأول العظيم الذي أُخذ عليهم يوم رُفع الجبل فوقهم كالغمامة؛ ليدحض كل تبريراتهم وأمانيهم الزائفة التي ادعوها في الآيات السابقة.
التكرار الواعي للأمر: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} الذي ورد في الآية (145) للألواح تكرر هنا عند رفع الجبل للتأكيد على أن شريعة الله لا تؤخذ بمهادنة ولا تراخٍ بل بصرامة وعزم وخشوع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُكرههم الله على قبول الشريعة برفع الجبل فوقهم والله يقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية الراسخة:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أصل مقرر في الدخول في أصل الإيمان والملة، فلا يكره كافر أصلي على اعتناق الإسلام قهراً؛ أما بنو إسرائيل هنا فقد كانوا مؤمنين معترفين بنبوة موسى وتوحيد الله، وكانوا قد بايعوا وعاهدوا موسى على قبول الكتاب والامتثال، فلما جاء الكتاب تمردوا على الأحكام وأرادوا التفلت منها وانتقاء ما يوافق أهواءهم وتفكيك النظام الاجتماعي والشرعي؛ فالرفع للجبل كان إلزاماً بالوفاء بالعهد والميثاق الذي التزموه طوعاً؛ كالمواطن الذي يلتزم بقانون دولته ثم يعاقب ويلزم به بالقوة إذا تمرد؛ فليس في ذلك إكراه على أصل الدين بل هو إلزام بحكم الشريعة ومنع للخيانة ونقض المواثيق.
الاستعارة والتشبيه في {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}: تشبيه تمثيلي دقيق يصور ثبات الجبل الضخم المعلق في الهواء بلا دعائم، كأنه مظلة عملاقة تظلهم وترهبهم، مما يملأ المشهد بهيبة القدرة الإلهية القاطعة.
استعمال {وَظَنُّوا} بمعنى أيقنوا: الظن هنا بلغ مرتبة اليقين والمعاينة الحسية بسقوط الجبل؛ فاستسلموا تماماً لأمر الله وخضعت رقابهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكر المواثيق والعهود مع الله: العبد المؤمن يستحضر دوماً ميثاق الفطرة وميثاق الشريعة الذي في عنقه، ولا يتنصل من التكاليف عند أول مشقة.
الأخذ بقوة والذكر الدائم: لا بقاء للدين في حياة الأمة إلا بأمرين متلازمين: العزم القوي في التطبيق {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}، والمدارسة المستمرة وتذكر الأحكام {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.