تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 39)جامع البيانالطبري١٣/٣٩: يبين الطبري أن الضمير في {فَغُلِبُوا} يعود على فرعون وقومه وملئه وسحرته؛ حيث غلبهم موسى بالبرهان الإلهي القاطع في ذلك المشهد الجامع {هُنَالِكَ}، وانقلبوا صاغرين أي رجعوا أذلاء مقهورين بعد أن كانوا في أول النهار في غاية الكبرياء والخيلاء والطمع في الرياسة والمال.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 449)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٤٩: يذكر ابن كثير أن الهزيمة نزلت بفرعون وجنده في ذلك المحفل العام على مرأى ومسمع من عامة أهل مصر، وتحول كبرياؤهم إلى خزي وصغار وفضيحة لا يمكن تغطيتها؛ لأنهم هم الذين حشدوا الناس وطلبوا المناظرة علناً.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 298)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٢٩٨: يوضح السعدي أن الغلبة شملت الجانبين: غلبة الحجة والبرهان، وغلبة النفس بالانكسار والهوان؛ فمن أراد العزة بالباطل ألبسه الله ثوب الصغار والذلة في نفس الموضع الذي تمنى فيه العز.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{هُنَالِكَ}: اسم إشارة للمكان البعيد أو الزمان المخصوص، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{وَانقَلَبُوا}: الانقلاب التحول والرجوع من حال إلى حال مضادة، وأصله قلب الشيء رأساً على عقب.
{صَاغِرِينَ}: جمع صاغر، من صَغُرَ صَغاراً، والصغار هو الذل والمهانة والهوان، وهو أشد من الصغر في الجثة.
الإعراب والتركيب:
{فَغُلِبُوا}: الفاء عاطفة سببية، فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل.
{هُنَالِكَ}: اسم إشارة مبني في محل نصب ظرف مكان (أو زمان)، واللام للبعد والكاف للخطاب متعلق بـ (غلبوا).
{وَانقَلَبُوا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو فاعل.
{صَاغِرِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور ببناء الفعل للمجهول {فَغُلِبُوا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني الدقيق: بعد بيان بطلان عملهم في الآية السابقة ترتبت النتيجة الحتمية: {فَغُلِبُوا} -> {وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ}؛ فالهزيمة الميدانية أعقبها ذل نفسي وانكسار اجتماعي وسياسي أمام الجماهير الحاشدة.
دلالة {هُنَالِكَ}: استحضار للمكان والمشهد المشهود؛ فالهزيمة لم تكن في حجرة مغلقة ولا في ليل بهيم، بل كانت في وضح النهار أمام كل أهل مصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا جمعهم الله في حكم الصغار {وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ} مع أن السحرة سرعان ما آمنوا وسجدوا؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الانقلاب بالصغار وقع في أول وهلة على المعسكر الفرعوني كله بحسب الظاهر؛ فالسحرة شعروا بصغر حيلتهم وسقوط فنهم أمام جلال الربوبية، وفرعون وملؤه خاب مسعاهم وانكسر كبرياؤهم؛ ثم بعد هذا الصغار الحسي تمايز السحرة فارتقوا بالإيمان واليقين، وبقي فرعون وحاشيته في دركات الصغار والذل العقائدي والسياسي.
بناء الفعل للمجهول في {فَغُلِبُوا}: للإشعار بأنهم مغلوبون مقهورون بأمر الله وقضائه الذي لا يرده راد، ولتركيز الانتباه على الهزيمة ذاتها لا على الفاعل فحسب.
استعمال {وَانقَلَبُوا} دون رجعوا: يدل على حدوث تحول جذري كامل في نفسياتهم ومواقفهم كمن قُلِب على رأسه، فتبخر كل ما كانوا يمنون به أنفسهم من النعيم والجائزة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
من حارب أولياء الله بالباطل والظلم فلن ينال إلا الصغار والمهانة، وعاقبة الطغيان الخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
الميدان الذي يختاره المبطلون ليحاربوا فيه الحق غالباً ما يجعله الله هو ذاته مقبرة لكبريائهم وموطن إذلالهم.