تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 180)جامع البيانالطبري١٣/١٨٠: يروي الطبري بإسناده الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حنطة في شعيرة!» (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير ومسلم).
فاستهزأوا بأمر الله وحرفوا القول من "حطة" (طلب المغفرة) إلى "حنطة" (طلب الطعام والقمح)، ودخلوا يزحفون على ألياههم سخرية وتكبراً بدلاً من الدخول ركعاً ساجدين؛ فأنزل الله عليهم رجزاً وعذاباً وطاعوناً أهلك ألوفاً منهم بسبب بغيهم واستخفافهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 495)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٥: يوضح ابن كثير أن هذا التبديل كان قمة الاستهزاء والاستخفاف بأوامر الله وشريعته؛ فجمعوا بين تبديل القول تلاعباً باللفظ والمعنى، وبين تبديل الفعل استكباراً ومجوناً؛ فاستحقوا نزول الرجز الفوري الصاعق من السماء.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 328)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٢٨: يبين القرطبي أن الرجز هنا كان الطاعون الجارف الذي نزل بهم؛ والعلة القطعية معلنة في ختام الآية: {بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}؛ فالظلم والتمرد على الشريعة والاستهزاء بالدين جالب للنقمات المهلكة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَبَدَّلَ}: التبديل تغيير الشيء ووضع غيره مكانه على وجه العمد.
{رِجْزًا}: العذاب الأليم المقلق، والمراد به الطاعون أو الموت الجارف.
الإعراب والتركيب:
{فَبَدَّلَ}: الفاء عاطفة تعقيبية، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
{ظَلَمُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{مِنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ظلموا.
{قَوْلًا}: مفعول به أول منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق لـ بدل).
{غَيْرَ}: نعت لـ (قولاً) منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الَّذِي}: اسم موصول مضاف إليه مبني في محل جر.
{قِيلَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على القول، والجملة صلة الموصول.
{لَهُمْ}: متعلقان بـ (قيل).
{فَأَرْسَلْنَا}: الفاء سببية عاطفة، فعل ماضٍ وفاعل.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بـ (أرسلنا).
{رِجْزًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (رجزاً).
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) مصدرية، أي بسبب ظلمهم المستمر.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَظْلِمُونَ}: فعل مضارع وفاعل والجملة خبر كان، والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق بـ (أرسلنا).
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على كسر راء {رِجْزًا} ونصب {قَوْلًا غَيْرَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السرعة في الخيانة والانقلاب: الفاء في {فَبَدَّلَ} تدل على أن المعصية والاستهزاء وقعا فوراً عند باب القرية دون تردد؛ مما يبرز تجذر داء التمرد في نفوسهم.
التعبير بـ {الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}: فيه إنصاف واحتراز بديع؛ لبيان أن هذا المجون والاستهزاء لم يصدر من جميع بني إسرائيل، بل صدر من الظالمين الفاسقين منهم، بينما ثبت الأخيار والمحسنون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا استحقوا هذا العذاب الفظيع بمجرد تغيير كلمة "حطة" إلى "حنطة" وتغيير طريقة الدخول؟
الدفع والمحاكمة العقلية: العقوبة لم تكن لمجرد تغيير حرف صوتي، بل كانت لِما انطوى عليه هذا التغيير من الاستهزاء العمدي الصارخ بجلال الله وشريعته ورسوله؛ فالمستهزئ بالدين يعلن التمرد والاحتقار للأمر الإلهي ويسفه القداسة الإلهية في محفل عام؛ والاستهزاء كفر صريح ينسف أصل الإيمان ويهدم هيبة الشريعة؛ فكان استحقاقهم للرجز أمراً حتمياً لصيانة حرمة الوحي وحفظ نظام الدين من عبث العابثين ومجون المستهزئين.
التنكير في {رِجْزًا} ووصفه بـ {مِّنَ السَّمَاءِ}: تهويل للعذاب وبيان أنه نزل بقهر إلهي خارق لا حيلة لأحد في دفعه ولا مفر منه بحصون الأرض.
التذييل بـ {بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}: استمرار صيغة المضارع مع كان يدل على أن الظلم كان ديدناً مستمراً وطبيعة متكررة في سلوكهم، مما استوجب العقاب العادل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة الاستهزاء بشعائر الدين وألفاظ الشريعة: فالتلاعب بنصوص الوحي وتغيير معانيها أو السخرية من أحكامها ممر مهلك يجر غضب الله وبأسه العاجل والآجل.
الاتباع لا الابتداع: الواجب على المؤمن التقيد بألفاظ الوحي وهيئاته المشروعة دون تحريف أو تبديل؛ فالسلامة والبركة في تمام الانقياد والتسليم.