تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 344)جامع البيانالطبري١٣/٣٤٤: يوضح الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلن مصدر قوته وعصمته وسر تحديه لجموع الشرك؛ فيقول: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ} هو ناصري وحافظي وحبيبي ومعيني الذي وكلت إليه أمري، {الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} أي القرآن العظيم بالحق والبرهان والحجة القاطعة؛ {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} أي تكفل بحفظ ورعاية ومعونة الصالحين من عباده في كل زمان ومكان؛ فلا يسلمهم لعدوهم ولا يضيع أجرهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 536)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٦: يذكر ابن كثير أن هذه الآية شعار التوكل المطلق والعصمة النبوية؛ فالله ناصر رسوله ومؤيده ومظهر دينه على الدين كله؛ والولاية الإلهية ثابتة لكل عبد صالح بقدر صلاحه وتقواه.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 309)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٠٩: يقرر السعدي أن ولاية الله للصالحين نوعان: ولاية عامة بالخلق والرزق والتدبير، وولاية خاصة بالهداية والحفظ والتوفيق والتأييد وصرف السوء والشرور عنهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَلِيِّيَ}: الوَلِيّ فعيل من الولاية، وهو النصير المعين المتولي للأمر بحب وقرب ورعاية كاملة.
{يَتَوَلَّى}: التولي القيام بالأمر والحفظ والنصرة والرعاية المستمرة.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{وَلِيِّيَ}: اسم إن منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بكسرة المناسبة لياء المتكلم (أو منصوب بالفتحة الظاهرة على الياء الأولى قبل الإدغام)، والياء ضمير متصل مضاف إليه.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت للفظ الجلالة (أو خبر ثانٍ).
{نَزَّلَ}: فعل ماضٍ والفاعل مستتر تقديره هو.
{الْكِتَابَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة أو حالية، (هو) ضمير منفصل مبتدأ.
{يَتَوَلَّى}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو.
{الصَّالِحِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (هو).
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على فتح ياء {وَلِيِّيَ} وصلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص جواب مباشر وبرهان باهر لقوله السابق: {ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ}؛ فكأن سائلاً سأل: ما الذي يجعلك تجرؤ على تحدي قريش وأصنامها وأنت رجل وحيد؟ فجاء الجواب الصادع: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}؛ فالاستناد ليس إلى قوة بشرية بل إلى رب السماوات والأرض.
عطف {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} بالجملة الاسمية: نقل المعنى من خصوصية ولايته للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قاعدة كلية تشمل كل مؤمن صالح إلى يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: نرى بعض الصالحين يبتلون بالقتل والتعذيب والسجون، فأين ولاية الله وحفظه لهم؟
الدفع والمحاكمة الإيمانية العميقة:
ولاية الله للصالحين ليست ضمانة لعدم إصابتهم بالابتلاء البدني في الدنيا؛ فالأنبياء أشد الناس بلاءً؛ ولكن الولاية الحقيقية هي:
حفظ دينهم وعقائدهم من الانتكاس والردة، وتثبيت قلوبهم على اليقين والرضا والسكينة عند نزول البلاء.
جعل العاقبة الحميدة والنصر المعنوي والتاريخي لهم، والخلود في جنات النعيم؛ فقتل الشهيد في سبيل الله ليس خذلاناً بل هو ذروة الكرامة والاصطفاء؛ فالمولى الحق هو الذي يحفظ دين العبد ويوصله إلى رضوانه وجنته.
إضافة صفة إنزال الكتاب {الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ}: إشارة إلى أن أعظم أسباب نيل الولاية الإلهية هو التمسك بالقرآن والعمل به؛ فمن حفظ كتاب الله تولاه الله بحفظه.
التعبير بالمضارع في {يَتَوَلَّى}: يدل على التجدد والاستمرار؛ فرعاية الله لأوليائه قائمة في كل لحظة ونَفَس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف الولاية الإلهية: أعظم غاية يسعى لها المؤمن أن يكون من أولياء الله الصالحين الذين يتولاهم برحمته وتأييده: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62].
الصلاح شرط الولاية: من أراد أن يتولاه الله فليدخل في زمرة الصالحين بإصلاح سريرته وتصحيح عقيدته والامتثال لأوامر الله.