تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 207)جامع البيانالطبري١٣/٢٠٧: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن الله يصف أجيال الخالفين الفاسدة التي ورثت التوراة بعد الصالحين؛ والخَلْف (بسكون اللام) هو البدل السوء الذي لا خير فيه؛ ورثوا التلاوة وعلم التوراة، ولكنهم صاروا يتاجرون بالدين ويأخذون {عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ} أي حطام الدنيا الزائل من الرشى وأموال السحت وتحريف الفتاوى للأغنياء؛ ومع إصرارهم على الجريمة يتمنون على الله الأماني الكاذبة قائلين: {سَيُغْفَرُ لَنَا}، وإذا عرضت لهم رشوة أخرى أو مال محرم جديد سارعوا إلى أكله؛ فوبخهم الله بالحجة الدامغة: ألم يعطوا العهود والمواثيق المغلظة في التوراة ألا يقولوا على الله إلا الحق وألا يحرفوا كلامه؟ وقد قرأوا ودرسوا ما فيه وعلموا الوعيد! ثم نبههم إلى الميزان الحقيقي: {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 502)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠٢: يوضح ابن كثير أن هذا كان مرض علماء السوء وأحبار اليهود؛ جمعوا بين ثلاث موبقات: أكل الحرام وتأويل النصوص بالرشى، والإصرار على الذنب مع التمني الكاذب على الله، ونقض الميثاق الذي درسوه بألسنتهم وخالفوه بجوارحهم؛ وهذا تحذير شديد لعلماء هذه الأمة من مشابهتهم في بيع الفتاوى بحطام الدنيا.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 339)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٣٩: يفرق القرطبي لغوياً بين الخَلْف (بسكون اللام) وهو الولد أو العقب السوء، وبين الخَلَف (بفتح اللام) وهو الولد الصالح والبدل الطيب؛ ومنه: خَلَفُ صدقٍ في خَلَفِ سوءٍ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{خَلْفٌ}: بسكون اللام، كل من يجيء بعد من سبقه في الشر والنقص؛ وبفتحها في الخير.
{عَرَضَ}: العَرَض بالتحريك كل ما يعرض ويزول ولا ثبات له من متاع الدنيا الفاني.
{الْأَدْنَىٰ}: اسم تفضيل من الدنو أو الدناءة، والمراد به العالم الأرضي الدنيوي الخسيس.
{وَدَرَسُوا}: الدرس القراءة المتكررة والحفظ والتعلم للنصوص.
الإعراب والتركيب:
{فَخَلَفَ}: الفاء عاطفة، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{مِن بَعْدِهِمْ}: متعلقان بـ (خلف)، والهاء مضاف إليه.
{خَلْفٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَرِثُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ (خلف).
{الْكِتَابَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{يَأْخُذُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من واو ورثوا أو نعت ثانٍ.
{عَرَضَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{هَٰذَا}: اسم إشارة مبني في محل جر مضاف إليه.
{الْأَدْنَىٰ}: بدل مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
{وَيَقُولُونَ}: معطوف مضارع بفاعله.
{سَيُغْفَرُ}: السين للاستقبال، فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة.
{لَنَا}: نائب فاعل (أو متعلقان به والنائب مستتر)، والجملة مقول القول.
{وَإِن}: الواو حالية أو عاطفة، (إن) حرف شرط جازم.
{يَأْتِهِمْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والهاء مفعول به مقدم والميم للجمع.
{عَرَضٌ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة.
{مِّثْلُهُ}: نعت لـ (عرض) مرفوع وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{يَأْخُذُوهُ}: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل والهاء مفعول به.
{لَّا يَقُولُوا}: (لا) نافية، فعل مضارع منصوب بأن وعلامة النصب حذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول بدل من ميثاق أو منصوب بنزع الخافض أي: بأن لا يقولوا.
{عَلَى اللَّهِ}: متعلقان بـ (يقولوا).
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{الْحَقَّ}: مفعول به منصوب لـ (يقولوا).
{وَدَرَسُوا}: الواو حالية، فعل ماضٍ وفاعل، والجملة حالية قد تضمر معها قد.
هذا المثلث الخطير يكشف أن رجاءهم للمغفرة ليس توبة بل هو استهزاء وأمانٍ مغرورة.
ختام الآية بالاستفهام التوبيخي: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}؛ لأن مقايضة النعيم الأخروي الباقي بالدنيا الخسيسة الفانية سفاهة عقلية تامة لا يرضاها من يملك أدنى مسكة من عقل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: أليس حسن الظن بالله وتوقع مغفرته أمراً محموداً شرعاً، فلماذا ذمهم الله على قولهم: {سَيُغْفَرُ لَنَا}؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية:
هناك فرق جوهري بين "حسن الظن بالله المقرون بالعمل والتوبة" وبين "الغرور والأماني الكاذبة مع الإصرار على المعصية"؛ كما قال الحسن البصري: "إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل"؛ فهؤلاء كانوا يأكلون الرشى ويقولون سيغفر لنا، فإذا جاءهم مال حرام آخر أخذوه دون ندم ولا إقلاع؛ فكان ادعاؤهم لرجاء المغفرة تخديراً لضمائرهم ومجاهرة بالذنب واستخفافاً بالله، مما استوجب أشد التقريع.
التعبير بـ {عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ}: تحقير بالغ للمال المحرم؛ فالدنيا "أدنى" بالغة الخسة، وما يؤخذ منها هو "عَرَض" زائل سرعان ما ينتهي ويترك التبعة والوزر.
جملة {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ}: حال مؤكدة لإلزامهم بالحجة؛ فالجاهل قد يُعذر جزئياً، أما من حفظ التوراة ودرس أحكامها وتكررت على سمعه ثم خان الأمانة فجريمته مضاعفة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من تجارة الدين: أعظم الخيانة أن يوظف العالم علمه الشرعي لابتغاء الدنيا وتبرير الباطل وكسب رضا أصحاب المال والسلطان على حساب حقائق التوحيد والشريعة.
التحرر من الأماني المغرورة: المغفرة منحة ربانية تطلب بالتوبة الصادقة والإقلاع عن الذنب والعمل الصالح، وليست تذكرة مجانية تُمنح مع الإصرار على أكل أموال الناس بالباطل.