أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 303)جامع البيانالطبري١٢/٣٠٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}: "يقول: خلقنا آدم، ثم صورنا ذريته في ظهره أشباه الذر".
وروى مجاهد والضحاك وقتادة: "خلقنا آدم من طين، ثم صورناه في أحسن تقويم، وخلق الذرية وتصويرها تبع لخلق أبيهم آدم؛ فخلق الأصل وتصويره خلق للفرع وتصوير له، كقوله تعالى: {إِنَّا حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} وإنما حُمل آباؤهم في سفينة نوح".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 380)مصدر غير محدد٣/٣٨٠: "يخبر تعالى عما شرّف به أباهم آدم، ونبّه بني آدم على عداوة إبليس القديمة لهم... {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} سجود تحية وتكريم وامتثال لأمر الله لا سجود عبادة؛ فبادر الملائكة كلهم بالسجود طائعين ممتثلين، {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} أي: استكبر وامتنع حسداً وبغياً".
قال القرطبي (7/ 168)مصدر غير محدد٧/١٦٨: "سجود الملائكة لآدم كان إظهاراً لفضله وعلمه، وتكليماً لأمر الله وطاعته؛ وإبليس شذّ عنهم بكبره وحسده".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(صَوَّرْنَاكُمْ): التَّصْوِير هو جعل الشيء على صورة وشكل وهيئة محددة؛ وتصوير الإنسان تسويته في أحسن تقويم بملامحه وأعضائه.
(السُّجُودُ): في اللغة الخضوع والتذلل؛ وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض تعظيماً لله؛ وكان في شرع من قبلنا يقع للتحية والتكريم كما سجد إخوة يوسف له.
الإعراب والتركيب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{خَلَقْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي والزمني.
{صَوَّرْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به معطوف.
{ثُمَّ}: عاطفة تفيد التراخي.
{قُلْنَا}: فعل وفاعل.
{لِلْمَلَائِكَةِ}: متعلق بـ (قلنا).
{اسْجُدُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{لِآدَمَ}: متعلق بـ (اسجدوا)، مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{فَسَجَدُوا}: الفاء عاطفة للتعقيب والسرعة، سجدوا فعل ماض وفاعل.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{إِبْلِيسَ}: مستثنى منصوب بالفتحة منقطع أو متصل (باعتبار شمول الأمر له وكان معهم).
{لَمْ يَكُن}: لم جازمة، يكن مضارع ناقص واسمه مستتر تقديره هو.
{مِّنَ السَّاجِدِينَ}: متعلق بمحذوف خبر (يكن)، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لعدم سجوده.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبدء استعراض قصة الصراع الوجودي مع الشيطان: بعد أن ذكّرهم بنعم التمكين والمعايش في الآية السابقة، عاد بهم إلى "المشهد التأسيسي الأول" للوجود الإنساني؛ مشهد تكريم أبيهم آدم بالسجود الملائكي، وانكشاف العداوة الأولى باستكبار إبليس وامتناعه عن السجود؛ ليعلم كل إنسان من أين بدأت معركته، ومن هو عدوه الحقيقي الذي يجب الحذر منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل كان إبليس من الملائكة؟:
أجمع محققو أهل السنة على أن إبليس لم يكن من الملائكة قط، بل كان من الجن ففسق عن أمر ربه كما نص القرآن في سورة الكهف: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}؛ وخلقه الله من نار وخلق الملائكة من نور كما في صحيح مسلم. وإنما شمله الاستثناء والأمر بالسجود لأنه كان قد تعبد معهم وصار في زمرتهم وتناولهم الخطاب جميعاً.
تنزيه السجود لغير الله في شريعة الإسلام:
السجود لآدم كان سجود تحية وتكريم وإظهار لفضل العلم الذي علمه الله له، وكان عبادة لله لكونه امتثالاً لأمره المباشر؛ أما في شريعة الإسلام فقد حُرّم السجود لغير الله تحريماً مطلقاً لا للتحية ولا للعبادة سداً لذريعة الشرك.