تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 330)جامع البيانالطبري١٣/٣٣٠: يوضح الطبري أن الله تعالى يوبخ المشركين بالحجة العقلية البديهية التي تفحم كل ذي عقل؛ فيقول مستنكراً: أيجعل هؤلاء المشركون لله شريكاً في العبادة أو النعمة جمادات وأوثاناً ومخلوقات {لَا يَخْلُقُ شَيْئًا} من خردلة فما فوقها ولا تقدر على إيجاد ذبابة، والحال أن هذه المعبودات {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي مخلوقة محدثة خلقها الله، أو صاغها ونحتها بنو آدم بأيديهم من حجارة وخشب ومعادن؟ فكيف يعبد المخلوق العاجز ويسوى بالخالق القادر؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 531)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣١: يبين ابن كثير أن هذا إنكار قاطع على من عبد غير الله؛ فالإله الحق لا بد أن يكون خالقاً رازقاً قادراً، أما ما لا يخلق شيئاً وهو بذاته مخلوق مصنوع، فعبادته غاية السفه والجهل؛ كقول إبراهيم لقومه: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95-96].
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 387)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٨٧: يذكر القرطبي أن الآية تقرر شرط الألوهية الأول وهو "القدرة على الخلق"؛ فمن انتفت عنه صفة الخلق استحال عقلاً أن يكون إلهاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَخْلُقُ}: الخلق إيجاد الشيء من العدم على غير مثال سابق، وتقدير الشيء وصنعه بإتقان.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (يشركون).
{لَا}: نافية.
{يَخْلُقُ}: فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو يعود على (ما)، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{شَيْئًا}: مفعول به منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق).
{وَهُمْ}: الواو حالية، (هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ (وعبر بضمير العقلاء تنزيلاً للأصنام منزلة العقلاء لمخاطبة عابديها أو ليشمل كل معبود من دون الله كالملائكة والمسيح).
{يُخْلَقُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم)، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحاكمة العقلية المباشرة: بعد تقرير الشرك في الآية السابقة، توجه الخطاب بالسؤال الفاحم: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}؛ ليضع المشرك أمام عجز معبوده المطلق.
مجاراة لمعتقد المشركين؛ فلما كانوا يعاملونها معاملة العقلاء فيدعونها ويرجون نفعها ويستغيثون بها، خاطبهم القرآن بما يزعمونه لإلزامهم بالحجة وتهجين عقولهم؛ أي هذه الآلهة التي نزلتموها منزلة العقلاء هي أنفسها مخلوقة مربوبة!
الشمول والاستغراق؛ لأن المعبودين من دون الله لا ينحصرون في الحجارة بل يشملون الملائكة والأنبياء كعيسى وعزيز والصالحين؛ فكلهم عباد مخلوقون لله، ولا يستحق أحد منهم صفة الألوهية.