تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 136)جامع البيانالطبري١٣/١٣٦: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وأبي العالية في قوله {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} أي عبدوه وافتتنوا به من بني إسرائيل {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ}؛ وهو أمر الله لهم بقتل أنفسهم توبةً وتطهيراً، فقتل بعضهم بعضاً في الظلمة حتى قتل منهم ألوف مؤلفة كفارة لذنبهم العظيم؛ {وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وهي المسكنة والصغار والذل المضروب على رقابهم؛ ثم ختم بالتعميم والاطراد لسائر الأمم: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}؛ قال سفيان بن عيينة: هذه الآية عامة في كل مبتدع مفترٍ على الله ورسوله، فما من صاحب بدعة وافتراء في الدين إلا وتجد فوق رأسه ذلة وصغاراً بنص هذه الآية.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 481)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨١: يؤكد ابن كثير ما ذكره السلف أن الذل والصغار مكتوب على كل من افترى كذباً وابتدع في دين الله ما ليس منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجُعِل الذل والصَّغار على مَن خالف أمري»؛ فمن التمس العزة بعبادة غير الله أو ابتداع منكر ألبسه الله ثوب الذل عاجلاً وآجلاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 304)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٠٤: يبين القرطبي أن نيل الغضب والذلة جزاء وفاق لافترائهم العظيم على الله بنسبة الألوهية لحيوان أصم مصنوع من ذهب ومواد فانية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَيَنَالُهُمْ}: نال ينال نيلاً، ونال الشيء بلغه وأصابه وحصل عليه، والسين للاستقبال والتأكيد.
{وَذِلَّةٌ}: هوان ومسكنة وصغار وسقوط منزلة.
{الْمُفْتَرِينَ}: جمع مفترٍ، من افترى يفتري افتراءً، والافتراء تعمد الكذب واختلاق الباطل ونسبته إلى الله أو إلى غير أهله.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{اتَّخَذُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل.
{الْعِجْلَ}: مفعول به منصوب، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهاً، وجملة اتخذوا صلة الموصول لا محل لها.
{سَيَنَالُهُمْ}: السين للاستقبال، فعل مضارع مرفوع بالضمة، والهاء مفعول به مقدم والميم للجمع.
{فِي الْحَيَاةِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (ذلة) أو بـ (ينالهم).
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مجرور بكسرة مقدرة للتعذر، وجملة سينالهم في محل رفع خبر إن.
{وَكَذَٰلِكَ}: الواو استئنافية، الكاف حرف جر، (ذلك) اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم.
{نَجْزِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{الْمُفْتَرِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
اتفق القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال التشريعي الصارم: بعد أن دعا موسى لنفسه ولأخيه بالرحمة والمغفرة، جاء الحكم الإلهي العدلي الفاصل في مصير الفاعلين للشرك المفتونين بالعجل؛ ليميز بين المعصوم الناهي وبين المفتري الواقع في الشرك.
التذييل القاعدي العام: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}؛ نقل الحكم من خصوصية عبدة العجل في سيناء إلى قاعدة كلية عامة مستمرة تجري على كل من يفتري في دين الله إلى يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا شملهم الغضب والذل في الدنيا مع أن كثيراً من أهل الشرك والمبتدعة يعيشون في ثراء وقوة مادية؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الذلة ليست محصورة في الفقر المادي الملموس؛ بل هي ذلة قلبية باطنة ومهانة نفسية وصغار يلاحق أصحاب الباطل في وجدانهم وفي نظرة العقلاء إليهم؛ كما قال الحسن البصري عن أهل المعاصي والبدع: "إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق رقابهم؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه"؛ مضافاً إلى ما يلحقهم في التاريخ من اللعنة والمقت، وما ينتظرهم في الآخرة من عذاب مقيم.