تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 77)جامع البيانالطبري١٣/٧٧: ينقل الطبري عن الحسن البصري وقتادة ومجاهد وزيد بن أسلم أن القوم المستضعفين هم بنو إسرائيل؛ أورثهم الله بعد هلاك فرعون مشارق أرض الشام ومغاربها، وقيل أرض مصر والشام معاً، والتي بارك الله فيها بالخصب والأنبياء والبركات المادية والروحية؛ وتحقق وعد الله التام لهم بالنصر والتمكين جزاء صبرهم على عذاب فرعون وأذاه؛ ودمر الله كل ما بناه فرعون وقومه من الصروح والقصور والجنان، وما كانوا يعرشون من الكروم والبساتين والأبنية المرفوعة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 464)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٤: يوضح ابن كثير أن هذه الآية تصديق لوعد موسى السابق لقومه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ}؛ فمات فرعون وغرق جنده وصار ملك مصر والشام للمستضعفين؛ وعلق الله هذا الإنعام العظيم بسبب عظيم وهو: {بِمَا صَبَرُوا}؛ فالصبر مفتاح الفرج والتمكين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 271)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٧١: يبين القرطبي أن {يَعْرِشُونَ} معناه يبنون من السقوف والقصور العالية أو يرفعون من دعائم العنب والشجر؛ فكل تلك الحضارة المادية الجبارة تلاشت وصارت ركاماً تدميراً من الله لكبريائهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُسْتَضْعَفُونَ}: استضعف يستضعف، السين والتاء للصيرورة أو للعدّ والظن، أي يستذلهم القبط ويعدونهم ضعفاء عاجزين عن الانتصاف لأنفسهم.
{تَمَّتْ}: كملت واستحكمت وتحققت بكامل وعودها دون نقص.
{وَدَمَّرْنَا}: التدمير الإهلاك التام مع إسقاط البناء وسحق المعالم.
{يَعْرِشُونَ}: عرش يعرِش ويعرُش، العرش هو تسقيف البناء ورفع الأخشاب والدعائم للكرم وغيره.
الإعراب والتركيب:
{وَأَوْرَثْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
{الْقَوْمَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب نعت لـ (القوم).
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يُسْتَضْعَفُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها.
{مَشَارِقَ}: مفعول به ثانٍ لـ (أورثنا) منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{الَّتِي}: اسم موصول مبني في محل نصب نعت للأرض (أو للمشارق والمغارب).
{بَارَكْنَا}: فعل ماضٍ وفاعل.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (باركنا)، والجملة صلة الموصول.
{وَتَمَّتْ}: الواو استئنافية أو عاطفة، فعل ماضٍ والتاء للتأنيث.
{كَلِمَتُ}: فاعل مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه.
{الْحُسْنَىٰ}: نعت لـ (كلمت) مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{عَلَىٰ بَنِي}: جار ومجرور متعلقان بـ (تمت)، وعلامة الجر الياء وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) مصدرية، أي بصبرهم، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ (تمت).
{صَبَرُوا}: فعل ماضٍ وفاعل.
{وَدَمَّرْنَا}: معطوف على أورثنا مبني على السكون و(نا) فاعل.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (دمرنا).
{كَانَ}: فعل ماضٍ ناقص واسمه مستتر.
{يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ}: فعل وفاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
{وَقَوْمُهُ}: معطوف على فرعون مرفوع.
{وَمَا}: معطوف على ما السابقة في محل نصب.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَعْرِشُونَ}: فعل مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر {يَعْرِشُونَ} بكسر الراء.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {يَعْرُشُونَ} بضم الراء، وهما لغتان فصيحتان في مضارع عَرَشَ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التاريخي والكوني العظيم: بين استضعاف الأمس وتمكين اليوم؛ فالذين كانوا بالأمس يُقتلون وتُستحيا نساؤهم صاروا هم ورثة الملك والسيادة في الأرض المباركة.
المقابلة بين التعمير والتدمير: دمر الله صروح الباطل وآثاره {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ}، وفي المقابل أورث الصابرين بركات الأرض ومشارقها ومغاربها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال أورثهم مشارق الأرض ومغاربها وبنو إسرائيل لم يملكوا إلا أرض الشام ومصر ولم يملكوا كل بقاع المعمورة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: لفظ {الْأَرْضِ} هنا جاء للعهد، أي أرض الشام ومصر التي جرى فيها الصراع والتي بارك الله فيها بالأنبياء والخيرات؛ أو هو تعبير عربي بليغ يراد به استيعاب جهات تلك الأرض المعنية من أقصى مشرقها إلى أقصى مغربها؛ فالمستضعفون ورثوا ملك الظالمين بكامله في تلك الرقعة الجغرافية الواسعة؛ ولا يلزم من ذلك ملك كل كوكب الأرض في ذلك الحين.
التعليل بـ {بِمَا صَبَرُوا}: إيجاز بديع يحصر سر التحول التاريخي الهائل في كلمة واحدة: (الصبر)؛ فالصبر على طاعة الله وتحمل البلاء هو القنطرة الوحيدة التي تعبر بها الأمم من ذل العبودية إلى فضاء التمكين والاستخلاف.
وصف الكلمة بـ {الْحُسْنَىٰ}: صيغة تفضيل تؤكد كمال الوعد الإلهي وحسنه وجمال عواقبه على المؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسالة أمل وطمأنينة لكل مستضعف في الأرض: دوام الحال من المحال، وسنة التداول الحضاري والإيراث للمستضعفين المتقين حقيقة قرآنية لا تتخلف.
لا تخدعنك الصروح الشامخة والحضارات المادية التي تبنى على دماء الشعوب وظلمها؛ فإن كلمة تدمير واحدة من العزيز الجبار تجعلها ركاماً تذروه الرياح.