أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 316)جامع البيانالطبري١٢/٣١٦ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}: "الهبوط هنا: النزول والطرد من الجنة أو من السماء ومحل الكرامة والملأ الأعلى؛ فما ينبغي لك ولا يحل لك أن تستكبر في دار طاعة الله وقدسه، {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} أي: الأذلاء الحقراء المطرودين من رحمة الله؛ جزاء تكبرك وطغيانك".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 382)مصدر غير محدد٣/٣٨٢: "يقول تعالى مخاطباً لإبليس أمراً قدرياً كونياً لا مرد له: {فَاهْبِطْ مِنْهَا} أي: بسبب مخالفتك لأمري واستكبارك على طاعتي، اهبط من المنزلة العالية والجنة والملأ الأعلى؛ {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} أي: لا يليق بك ولا يتأتى لك الكبر في هذا الموضع الرفيع، {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} أي: الأذلاء الحقراء، فعامله بنقيض قصده؛ لما طلب العلو تكبراً ألبسه الله ثوب الصغار والذلة في الدنيا والآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(فَاهْبِطْ): الهُبُوط هو النزول من علو إلى سفل؛ والانتقال من منزلة رفيعة إلى منزلة وضيعة.
(الصَّاغِرِينَ): جمع صاغر، من الصَّغَار وهو الذل والمهانة والحقارة وضد الشرف والعز.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو.
{فَاهْبِطْ}: الفاء فصيحة، اهبط فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت. والجملة مقول القول.
{مِنْهَا}: متعلق بـ (اهبط)، والضمير يعود على الجنة أو السماء أو الرتبة والمنزلة.
{فَمَا}: الفاء تعليلية، (ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{يَكُونُ}: مضارع ناقص مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (يكون) مقدم.
{أَن تَتَكَبَّرَ}: (أن) مصدرية ناصبة، تتكبر مضارع منصوب بالفتحة والفاعل مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول (أن تتكبر) في محل رفع اسم (يكون) مؤخر؛ والتقدير: فما يصح ويثبت لك التكبرُ فيها.
{فِيهَا}: متعلق بـ (تتكبر).
{فَاخْرُجْ}: الفاء عاطفة لتوكيد الطرد، اخرج أمر والفاعل مستتر.
{إِنَّكَ}: إن واسمها.
{مِنَ الصَّاغِرِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم. والجملة تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وصدور الحكم القضائي الكوني الصارم: بعد أن نطق اللعين بكلمة الكبر الشنيعة {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}، جاء الجزاء الإلهي فورياً حاسماً لا استئناف فيه ولا إمهال: الهبوط الفوري والطرد المذل من ساحة الكرامة ومحل القدس، وإلصاق صفة الصغار والذلة به أبد الآباد جزاءً وفاقاً لكبريائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الجزاء من جنس العمل (معاملة المتكبر بنقيض قصده):
تؤصل الآية لقانون عدلي رباني أزلي: "من تكبر عن الحق أذله الله وصغّره"؛ فإبليس أراد أن يتعالى على أمر الله ويتكبر على آدم، فعاقبه الله بأن سلبه كل عزة وكرامة، وكتب عليه الصغار واللعنة وسوء العاقبة، وجعله إماماً لكل صاغر حقير إلى يوم الدين.