تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 346)جامع البيانالطبري١٣/٣٤٦: يروي الطبري عن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وقتادة وابن عباس في قوله: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ} قالوا: هو الغضب أو مس الذنب أو الهمّ به والإلمام بالمعصية؛ وقوله: {تَذَكَّرُوا}: تذكروا أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه ومقامه عليهم، وتذكروا عداوة إبليس؛ {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}: فإذا هم قد استبصروا طريق الرشد، وأبصروا عيوب ما هموا به وأقلعوا وتابوا واستغفروا وأنابوا من قريب ولم يتمادوا.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 538)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٨: يوضح ابن كثير أن الله يخبر عن عباده المتقين الذين راقبوه وأطاعوه وخافوا مقامه، أنهم إذا أصابهم عارض من مس الشيطان بوسوسة أو غضب أو زلة قدم، أسرعوا إلى تذكر عقاب الله وعظمته، فانجابت عن قلوبهم غشاوة الغفلة، ورأوا الحق عياناً واستغفروا ورجعوا؛ فهذا شأن أهل التقوى: سريعي الأوبة، لا يسترسلون مع الباطل.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 356)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٥٦: يذكر القرطبي أن المتقي ليس بمعصوم من خطرات الشيطان، ولكن الفارق بينه وبين الفاجر هو سرعة اليقظة؛ فالمتقي معه مصباح التقوى يكشف له دسائس العدو فور مسه، بينما الفاجر أعمى القلب يستمر في غيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مَسَّهُمْ}: المس هو الإصابة الخفيفة والملامسة؛ واستعماله هنا إشارة إلى أن كيد الشيطان يمس ظاهر القلب مساً ولا يتمكن من التغلغل إذا كان القلب عامراً بالتقوى.
{طَائِفٌ}: من الطواف، وهو العارض الذي يطوف بالشيء ويدور حوله متلمساً فرصة الدخول؛ فالشيطان يطوف حول قلب المؤمن فإذا وجد ثغرة غفلة مسه بوسوسته.
{تَذَكَّرُوا}: استرجعوا في أذهانهم وقلوبهم ما أوجب الله عليهم وما حذرهم منه، فانمحت الغفلة.
{مُّبْصِرُونَ}: اسم فاعل من أبصر، والمراد به الإبصار المعنوي القلبي؛ أي ذوو بصيرة بالحق والباطل والمهالك والمنجيات.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{اتَّقَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{مَسَّهُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به.
{مِّنَ الشَّيْطَانِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (طائف).
{تَذَكَّرُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، وجملة تذكروا جواب إذا، وجملة (إذا وجوابها) في محل رفع خبر إن.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة أو فصيحة، (إذا) الفجائية حرف مبني لا محل له.
{هُم}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُّبْصِرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية معطوفة على جواب الشرط.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب وخلف العاشر: {طَيْفٌ} بسكون الياء بلا ألف.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر: {طَائِفٌ} بألف بعد الطاء وكسر الهمزة.
وهما لغتان متكاملتان في البيان الإعجازي: فـ {طَائِفٌ} اسم فاعل دال على الشيطان الذي يطوف حول القلب كالحارس المترصد، و{طَيْفٌ} مصدر أو اسم بمعنى الخيال العارض والوسوسة واللمم والغضب الذي يطوف بالخاطر كطيف الخيال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما أمر بالاستعاذة عند نزغ الشيطان في الآية السابقة، بين في هذه الآية صفة أهل التقوى واليقظة وكيف يتعاملون مع تلك النزغات؛ فبين أن المتقين لا يستسلمون للنزغ، بل يستحضرون النور الإيماني فيبصرون الحق وينقشع عنهم رين الغفلة.
تمهيد للمقابلة العظيمة مع الآية التالية التي تفضح حال إخوان الشياطين المسترسلين في الضلال {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع المتقي في الغفلة أو مس الشيطان: استشكل بعضهم كيف يمس الشيطان أهل التقوى والله تعالى يقول: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]؟!
الدفع والمحاكمة العقدية والنفسية الرصينة:
نفي السلطان في القرآن الكريم إنما هو نفي الاستحواذ التام والسيطرة المطلقة والإلجاء إلى الكفر والإصرار على المعاصي والكبائر المهلكة، وليس نفياً لعوارض الوسوسة واللمم الطبيعي العارض على بني آدم غير المعصومين.
الآية نفسها أبلغ رد على الشبهة؛ حيث جعلت المس الشيطاني مجرد "طائف" خارجي عارض، وأثبتت أن حصانة المتقي تكمن في ردة فعله الفورية: {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}؛ فالتقوى لا تعني استحالة الخطأ البشري، بل تعني استحالة الإصرار عليه والعمى عنه؛ وفي الحديث الصحيح: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
التعبير بـ {إِذَا الْفُجَائِيَّةِ}: قوله {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} فيه إشراق بياني بديع؛ يدل على سرعة انقشاع سحاب الوسوسة وظلمات الغضب وحلول نور البصيرة بمجرد التذكر كالفجر الذي ينبلج بغتة بعد ليل دامس.
التعبير بـ {مُّبْصِرُونَ} بصيغة الاسم: للدلالة على ثبات واستقرار البصيرة في نفوسهم بعد زوال العارض الشيطاني؛ فصار الإبصار سجية راسخة تكشف مكايد العدو.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الذكر ترياق الغفلة: متى شعر المؤمن ببوادر وسوسة أو حركة غضب محرم أو نزوة هوى، فالعلاج الحاسم هو أن "يتذكر" عظمة الله، وقرب الموت، وهول الحساب، وجلال الثواب؛ فإن هذا التذكر يحرك البصيرة ويزيل العمى.
معيار الصلاح الحقيقي: ليس الصالح من لا يعرض له خاطر سوء، بل الصالح من إذا مسه طائف السوء هب مستيقظاً وتذكر فرجع وأصلح؛ فالاستغفار والرجوع السريع هو علامة التقوى الكبرى.