تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 84)جامع البيانالطبري١٣/٨٤: يوضح الطبري أن موسى عليه السلام أقام عليهم الحجة العقلية والعقدية القاطعة لبيان سفاهة ما طلبوه؛ فقال لهم: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ} الذين رأيتموهم يعكفون على الأصنام {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ}؛ أي مهلك ومدمر ومخسر ما هم فيه من الدين الباطل وعبادة الأوثان؛ {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي ساقط لا حقيقة له ولا ثواب ولا ينفعهم في دنيا ولا آخرة؛ فكيف تطلبون التشبه بقوم مصير دينهم التدمير والهلاك وعملهم محض بطلان؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 466)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٦: يبين ابن كثير أن التتبير هو التدمير والإهلاك والكسر؛ كقوله تعالى: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان: 39]، والمعنى أن هؤلاء مشركون هلكى متبورون وما يصنعونه زائل بائد لا أصل له؛ فالمستمسك بطريقتهم هالك مثلهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 275)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٧٥: يذكر القرطبي أن الآية تقرر قاعدة شرعية وعقلية: لا يجوز الانبهار بكثرة الضالين ولا باجتهادهم وتفرغهم للباطل؛ فإن العمل مهما كان شاقاً ومعظماً في نظر أصحابه إذا بني على غير التوحيد والشرع فهو هباء باطل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُتَبَّرٌ}: اسم مفعول من تبّر تتبيراً، والتبار في كلام العرب هو الهلاك والخسران والدمار والقطع.
{وَبَاطِلٌ}: اسم فاعل من بطل، وهو الضائع الساقط الذي لا منفعة فيه ولا حقيقة له في الميزان.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{هَٰؤُلَاءِ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم إن.
{مُتَبَّرٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة مقدم على نائبه.
{مَّا}: اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل لاسم المفعول (متبر)، أو مبتدأ مؤخر ومتبر خبره مقدم، والجملة الاسمية خبر إن.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ (هم)، وجملة المبتدأ وخبره صلة الموصول لا محل لها.
{مَّا}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر (أو فاعل لباطل).
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على تنوين {مُتَبَّرٌ} ورفع {مَّا} وتنوين {وَبَاطِلٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا تعليل لقوله السابق: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}؛ فبين لهم علة جهلهم، وهو رغبتهم في محاكاة طائفة هالكة محكوم على دينها بالدمار وعلى عملها بالبطلان.
الجمع بين {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} (أي دينهم وعقيدتهم مآلها الهلاك) و{وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (أي طقوسهم وعباداتهم ساقطة لا وزن لها)؛ ليحكم بالبطلان على الأصل والفرع معاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا ينخدع الناس دوماً بطقوس الباطل ومظاهر عكوف المشركين على أصنامهم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: العقل السطحي المفتون بالظواهر يخلط بين "الخشوع الشكلي والتنظيم الصوري" وبين "الحق الموضوعي والصدق العقدي"؛ فعبدة الأصنام كانوا يبدون خاشعين مخلصين في عكوفهم، فظن جهلة بني إسرائيل أن هذا مظهر قرب إلهي؛ فبين موسى بالحجة العقلية أن الخشوع في الباطل لا يجعله حقاً، وأن صدق العاطفة لا يصحح فساد الفكرة؛ فالعبرة بصحة المنهج ومطابقته لأمر الله لا بمجرد الحماس والطقوس المجردة.