تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 310)جامع البيانالطبري١٣/٣١٠: يوضح الطبري أن الله تبارك وتعالى أمر خاتم رسله وسيد خلقه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يعلن كمال عبوديته وتجرده لله وبراءته من ادعاء أي خصيصة من خصائص الربوبية والألوهية؛ فيقول للناس جميعاً: {لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} فكيف أملكه لكم؟ بل الأمر كله بمشيئة الله وقدره؛ {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} المطلق لاستكثرت من الأرباح والخيرات في الدنيا ولتجنبت كل سوء وشدة وهزيمة ومرض قبل وقوعه؛ ولكني بشر مرسل لا أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه بالوحي؛ {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ} من عذاب الله {وَبَشِيرٌ} برحمته وجنته {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم هم المنتفعون بالبشارة والنذارة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 527)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٧: يقرر ابن كثير أن هذه الآية أصل عظيم من أصول التوحيد؛ تقطع كل غلو في شخص النبي صلى الله عليه وسلم أو في الصالحين؛ فإذا كان سيد ولد آدم وخاتم الرسل لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يعلم الغيب المطلق، فكيف يدعى ذلك لأحد سواه من الأولياء والمخلوقين؟
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 380)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٨٠: يبين القرطبي أن الآية ترد رداً قاطعاً على أهل الشرك والغلو والمنجمين والكهنة؛ وتثبت أن علم الغيب والنفع والضر حق خالص للواحد القهار لا ينازعه فيه أحد من خلقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَاسْتَكْثَرْتُ}: استكثر من الشيء طلب كثرته وحصّل منه الكثير بالادخار والتحوط.
{السُّوءُ}: كل ما يغم الإنسان ويؤذيه من فقر أو مرض أو أذى أو هزيمة.
الإعراب والتركيب:
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون.
{لَّا}: نافية.
{أَمْلِكُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره أنا.
{لِنَفْسِي}: متعلقان بـ (أملك).
{نَفْعًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) لتأكيد النفي.
{ضَرًّا}: معطوف على نفعاً منصوب.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المنقطع (أو المتصل).
{شَاءَ اللَّهُ}: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول.
{وَلَوْ}: الواو عاطفة، (لو) حرف شرط امتناع لامتناع.
{كُنتُ}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{أَعْلَمُ}: فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره أنا.
{الْغَيْبَ}: مفعول به منصوب والجملة خبر كنت، وجملة كنت فعل شرط لو.
{لَاسْتَكْثَرْتُ}: اللام واقعة في جواب لو، فعل ماضٍ وفاعل، والجملة جواب لو لا محل لها.
{مِنَ الْخَيْرِ}: متعلقان بـ (استكثرت).
{وَمَا}: الواو عاطفة، (ما) نافية.
{مَسَّنِيَ}: فعل ماضٍ ومفعول به مقدم (الياء).
{السُّوءُ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة معطوفة على جواب لو.
{إِنْ}: حرف نفي ملغى بمعنى ما.
{أَنَا}: ضمير منفصل مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{نَذِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع.
{وَبَشِيرٌ}: معطوف مرفوع.
{لِّقَوْمٍ}: متعلقان بنذير وبشير.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل جر نعت لـ (قوم).
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان ختام فذ لمقطع الغيب والساعة؛ فبعد أن سألوه عن الساعة، بين أن نفي علمه بالساعة ليس عيباً في رسالته، بل هو مقتضى بشريته وعبوديته؛ فهو لا يدعي علم الغيب ولا التصرف في الكون بنفع أو ضر، بل هو رسول نذير وبشير.
ترتيب الوظيفة الرسالية: قدم النذارة {نَذِيرٌ} على البشارة {وَبَشِيرٌ}؛ لأن المقام مقام إنذار وتخويف وقطع للشبهات والمكابرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أهل الغلو: يزعم بعض الغلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل ما في اللوح المحفوظ ويعلم كل الغيوب ما كان وما سيكون مطلقاً!
الدفع والمحاكمة القرآنية الصريحة القاطعة:
هذه الآية الكريمة نص قرآني قطعي الثبوت والدلالة يدحض هذا الغلو دحضاً تاماً؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأمر الله الصريح أن يعلن: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}؛ والواقع النبوي المشاهد في سيرته يثبت ذلك؛ فقد شُج رأسه وكسرت رباعيته في أحد، وسُمَّ في خيبر، وخُدع أصحابه في بئر معونة، وحزن لوفاة أولاده، وتأخر عنه الوحي في حادثة الإفك شهراً كاملاً وهو لا يدري ما وراء الأكمة حتى نزل القرآن ببراءة عائشة؛ فلو كان يعلم الغيب المطلق لما وقع له شيء من ذلك؛ فالغيب المطلق لله وحده، وما علمه النبي صلى الله عليه وسلم هو غيب نسبي أطلعه الله عليه بالوحي تعليماً وتشريفاً: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26-27].
أسلوب الحصر بـ {قُل لَّا أَمْلِكُ... إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}: كمال التجرد للعبودية والاعتراف بالعجز البشري أمام القدرة الإلهية، وفيه أعلى مراتب الأدب والصدق مع الله.
تخصيص البشارة والنذارة بـ {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: لأن المؤمنين هم الذين يفتحون قلوبهم وعقولهم لتوجيهات الوحي فينتفعون بإنذاره ويستبشرون بوعده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد وإخلاص العبودية: لا يجوز صرف شيء من خصائص الربوبية والألوهية لأي مخلوق؛ فلا يدعى لدفع الضر وجلب النفع إلا الله، ولا يسأل عن الغيب إلا الله.
تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه المطلق: لو كان النبي يبحث عن مجد شخصي أو ادعاء باطل لادعى علم الغيب وملك النفع والضر ليستحوذ على قلوب الناس، ولكنه صدع بالحق ونفى ذلك عن نفسه معلناً عبوديته الخالصة لله؛ وهذا من أعظم براهين نبوته وصدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم.