تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 94)جامع البيانالطبري١٣/٩٤: ينقل الطبري بأسانيده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن أن موسى عليه السلام لما وافى الطور في الميقات المضروب، كلمه ربه تكليماً حقيقياً بغير واسطة، فأسمعه كلامه من الشجرة ومن الجبل؛ فلما ذاق موسى لذة سماع كلام الله طمعت نفسه المشتاقة في رؤية الذات الإلهية المقدسة، فقال طلباً للمزيد من الكرامة: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}؛ فأجابه الله تعالى: {لَن تَرَانِي} أي لن تطيق رؤيتي في هذه النشأة الدنيوية الضعيفة، ولكن انظر إلى الجبل العظيم الصلب، فإن ثبت مكانه عند تجلي نوري فإنك تستطيع رؤيتي؛ فلما كشف الله من نوره وجلاله للجبل قدر أنملة الخنصر جعله دكاً مستوياً بالأرض، وخر موسى مغشياً عليه صعقاً من هول ما رأى وسمع؛ فلما أفاق من غشيته نزه ربه وتاب من سؤاله الرؤية في الدنيا معلناً إيمانه المطلق بعظمة الله وجلاله.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 469)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٩: يقرر الحافظ ابن كثير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه الآية العظيمة:
أن الله تعالى يرى في الدار الآخرة بالأبصار عياناً للمؤمنين بنصوص القرآن القطعية كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23]، وأحاديث الرؤية المتواترة كالقمر ليلة البدر.
أن قوله تعالى {لَن تَرَانِي} نفي للرؤية في الدنيا فقط لضعف القوى البشرية عن تحمل أنوار الربوبية؛ ولذلك علق الله الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر جائز عقلاً، ولو كانت الرؤية مستحيلة بذاتها لما سألها كليم الله موسى؛ لأن الأنبياء أعلم الناس بما يجوز ويمتنع في حق الله تعالى؛ فدل سؤاله على إمكان الرؤية في الجملة وامتناعها في النشأة الدنيوية لضعف طاقة البشر.
استدل بحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} قال: «هكذا» وأشار بإبهامه إلى أنملة خنصره فساخ الجبل (أخرجه أحمد والترمذي وصححه).
موقف أئمة السنة (ابن تيمية وابن القيم والقرطبي والشنقيطي):
أجمع أئمة السلف أن كلام الله حقيقي سمعه موسى بصوت وحرف يليق بجلاله، وأن نفي الرؤية هنا مقيد بالدنيا؛ وتوبة موسى لم تكن عن ذنب ومعصية وإنما كانت استغفاراً وتواضعاً من الإقدام على سؤال لم يؤذن له فيه، أو لفرط الرهبة والخشوع عند مشاهدة دك الجبل وتجلي أنوار الجلال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَجَلَّىٰ}: تجلّى يتجلّى تجلياً، وأصل التجلي الظهور والانكشاف، وتجلي الله للجبل ظهور بعض نوره وجلاله وسلطانه.
{دَكًّا}: الدك هو الكسر والسحق حتى يستوي بالأرض ويصير تراباً مفتتاً كالكثيب المهيل.
{صَعِقًا}: الصعق الغشية الشديدة التي تزيل الوعي والحس كالموت المؤقت، مأخوذ من الصاعقة.
{أَفَاقَ}: الإفاقة رجوع العقل والوعي بعد الغشي أو السكر أو المرض.
الإعراب والتركيب:
{وَلَمَّا}: الواو عاطفة، (لما) ظرفية شرطية غير جازمة.
{جَاءَ مُوسَىٰ}: فعل ماضٍ وفاعل مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{لِمِيقَاتِنَا}: اللام للاختصاص أو بمعنى في، (ميقات) مجرور بالكسرة وهو مضاف، و(نا) مضاف إليه.
{وَكَلَّمَهُ}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء مفعول به مقدم.
قرأ حفص عن عاصم وأبو جعفر {أَرِنِي} بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وقالون والسوسي باختلاس كسرة الراء أو سكونها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد هو ذروة التشريف الإلهي لكليم الله موسى في سورة الأعراف والقرآن كله؛ حيث انتقل من مواجهة السحرة والفرعون إلى مناجاة رب العالمين وسماع كلامه مباشرة فوق جبل الطور.
التدرج في إبراز عظمة الربوبية: كلام الله لموسى، ثم سؤال الرؤية بدافع الشوق والمحبة، ثم ضرب المثل بالجبل وهو أرسخ المخلوقات حجماً وصلابة، ثم سحق الجبل بمجرد التجلي، ثم صعق موسى، ثم الإفاقة والتسبيح والتوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المعتزلة ومن وافقهم في نفي رؤية الله مطلقاً مستدلين بـ {لَن تَرَانِي} وزعمهم أن "لن" تفيد التأبيد:
الدفع والمحاكمة العقلية واللغوية الراسخة عند أهل السنة:
سؤال موسى برهان الإمكان: موسى كليم الله نبي معصوم، يعلم ما يجب ويجوز ويمتنع في حق ربه؛ فلو كانت الرؤية ممتنعة عقلاً كالشريك والولد لكان سؤالها كفراً وضلالاً يستحيل أن يقع فيه نبي كريم؛ فدل سؤاله القاطع على أن الرؤية جائزة عقلاً وشرعاً.
التعليق على الممكن: علق الله الرؤية على استقرار الجبل {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}، واستقرار الجبل ممكن عقلاً في ذاته، والمعلق على الممكن ممكن لا مستحيل؛ ولو أراد الله نفي الجواز لذاته لقال: إني لا أُرى، أو لست بمرئي، ولكنه قال: {لَن تَرَانِي} أي لن تطيق أنت يا موسى في ضعفك البشري الدنيوي رؤيتي.
بطلان دعوى تأبيد "لن" لغوياً: "لن" تفيد نفي الفعل في المستقبل القريب أو بحسب القرينة، ولا تفيد التأبيد المطلق باتفاق أئمة النحو العربي؛ كما قال ابن مالك في الخلاصة:
ومَن رأى النفيَ بلنْ مؤبَّدا ... فقولَه ارْدُدْ وسِواهُ فاعضُدا
وقد استعملها القرآن في نفي مقيد بالدنيا مع ثبوته في الآخرة قطعا، كقوله تعالى عن اليهود: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة: 95] ثم نادى أهل النار في الآخرة: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77] فتمنوا الموت هناك!
دك الجبل وصعق موسى: بيان لعظم جلال الخالق، وأن الأجساد الدنيوية التي خلقها الله من طين لا تستطيع البقاء مع أنوار الذات الإلهية؛ بينما في الدار الآخرة يخلق الله أهل الجنة بنشأة قوية باقية تمكنهم من النظر إلى وجهه الكريم بلا زوال ولا صعق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته» (متفق عليه).
التشريف بالنداء والحذف {رَبِّ أَرِنِي}: حذف ياء المتكلم طلباً للقرب والتذلل، وسؤال الرؤية كان من فيض الشوق ومحبة المناجاة لا عن شك ولا تحدٍّ.
التنكير في {دَكًّا} ومفاجأة الصعق {وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا}: تعبير تصويري مهيب لعظمة جلال الله وخضوع الكائنات الصلبة لهيبته؛ فالجبل الشامخ الراسخ تحول إلى ذرات تراب من مجرد قبس من نوره سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال الأدب مع الله والتسليم لعظمته: العبد المؤمن إذا قصرت طاقته البشرية عن إدراك شيء يسبح ربه ويتوب إليه ويخضع لجلاله كما فعل كليم الله موسى.
الشوق إلى رؤية وجه الله الكريم أعظم أماني الصالحين؛ وموعد هذا الفوز الأكبر هو جنات النعيم حين يكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم الكريم.