تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 144)جامع البيانالطبري١٣/١٤٤: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومحمد بن إسحاق والسدي أن موسى عليه السلام اختار من خيار بني إسرائيل وأشرافهم سبعين رجلاً ليعتذروا إلى الله من عبادة قومهم للعجل، وذهب بهم إلى جبل الطور في الميقات؛ فلما سمعوا كلام الله لموسى تكبراً وتمرداً وقالوا بجهلهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أو لما وقعت الشبهة في نفوسهم، نزلت عليهم {الرَّجْفَةُ} وهي صاعقة وزلزلة عظيمة فماتوا وصعقوا جميعاً؛ ففزع موسى وتضرع إلى ربه باكياً مستعطفاً: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ}؛ أي كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ووفدهم؟ سيقولون أنت قتلتهم؛ ثم قال مستغيثاً: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} أي بفعل عبدة العجل الذين جهلوا حقك، {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} أي اختبارك وابتلاؤك ضل به من ضل وهدى به من وفقت، {أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 484)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨٤: يوضح ابن كثير أن موسى عليه السلام ما زال يتضرع ويبكي ويسأل ربه حتى أحيا الله السبعين رجلاً بعد موتهم وصعقتهم، فرجعوا إلى بني إسرائيل وشهدوا بما سمعوا من جلال الله وكلامه لموسى؛ فكان استعطاف موسى وتذلله هو سبب كشف الرجفة وإحياء الموتى.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 335)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٣٥: يبين الشنقيطي أن استفهام موسى {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} استفهام استعطاف وتذلل لا اعتراض ولا تشكيك في عدل الله؛ وتسمية عبدة العجل بـ {السُّفَهَاءُ} دليل على براءة موسى والسبعين من ذلك المنكر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الرَّجْفَةُ}: الزلزلة الشديدة والصيحة المروعة التي ترجف معها الأرض وتضطرب الأبدان وتموت النفوس.
{السُّفَهَاءُ}: جمع سفيه، والسفه خفة العقل وسوء التدبير والجهل بالحقائق.
{فِتْنَتُكَ}: الفتنة الاختبار والامتحان والتمحيص.
الإعراب والتركيب:
{وَاخْتَارَ}: الواو استئنافية، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{مُوسَىٰ}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{قَوْمَهُ}: منصوب بنزع الخافض بحذف (من)، أي: اختار من قومه؛ أو مفعول به أول وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{سَبْعِينَ}: مفعول به ثانٍ (أو مفعول به على تقدير قومه منصوب بنزع الخافض) منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
{رَجُلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لِّمِيقَاتِنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (اختار)، و(نا) مضاف إليه.
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، (لما) ظرفية شرطية.
{أَخَذَتْهُمُ}: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به والميم للجمع.
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الاستعطافي والتضرع النبوي: جمع موسى في دعائه بين إعلان العجز التام والاعتراف بالقدرة المطلقة لله، وبين التوسل برحمته وعدله؛ فبين أن هلاك السبعين سيفتح باب الشبهة على بني إسرائيل، واستعطف ربه بأنه المنعم المتفضل والولي النصير.
المقابلة في {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ}: تفويض كامل لمشيئة الله وحكمته المطلقة؛ فالاختبار يميز الصادق من المنافق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقول موسى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}، أليس هذا اعتراضاً على قضاء الله وحكمه؟
الدفع والمحاكمة العقلية: حاشا لكليم الله أن يعترض على ربه؛ والهمزة هنا ليست للاعتراض والإنكار العقدي، بل هي للاستعطاف المحض والالتجاء إلى واسع حلمه ورحمته؛ كقول الولد البار لأبيه العظيم: أتعاقبنا يا أبتِ بذنب غيرنا وأنت الرحيم الكريم؟ فموسى يعلم أن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة، ولكنه استشفع برحمة الله وتبرأ من صنيع عبدة العجل وسماهم سفهاء؛ ليرجو عفو ربه وإحياء هؤلاء الوفد الصالحين لتكتمل بهم الحجة على سائر بني إسرائيل.
الحصر بـ «إنْ... إلا» في {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ}: أدب رفيع في رد الأمور كلها إلى أصل التدبير الإلهي ومشيئته؛ فكل ما يجري في الكون من فتن وابتلاءات هو بتقدير الله واختباره ليميز الخبيث من الطيب.
ختام التضرع بـ {أَنتَ وَلِيُّنَا... وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}: إقرار بالولاية المطلقة لله تعالى؛ فالولي هو الذي يتولى رعاية عبده بالرحمة والستر وإقالة العثرات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شفاعة الأنبياء والمصلحين لقومهم: القائد المخلص يتألم لمصاب أمته ويفزع إلى المحراب متضرعاً باكياً ليصرف الله البلاء عن قومه.
الحذر من فتنة الابتلاءات: الفتن محطات تمحيص إلهية لا ينجو منها إلا من ثبت الله قلبه، والواجب عند حلولها اللجوء إلى الله بطلب الهداية والعصمة والمغفرة.