تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 32)جامع البيانالطبري١٣/٣٢: ينقل الطبري عن السدي ومحمد بن إسحاق وعكرمة أن موسى عليه السلام لما خيروه قال لهم بلسان الواثق بربه المطمئن بنصره: {أَلْقُوا} أنتم أولاً، ليرى الناس صنيعهم ويبين عوار ما أتوا به ثم يعقبه بالحق الذي يدمغه؛ فلما ألقوا حبالهم وعصيهم سحروا أعين الناس بالتخييل والتمويه حتى خيل للناظرين أنها حيات تسعى، واسترهبوهم أي أرهبوا الناس إرهاباً شديداً بما أظهروا من الحركات الهائلة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 447)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٤٧: يذكر ابن كثير أن السحرة ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً وقد ملؤوها زئبقاً وجعلوا في بطونها مواد تدفعها الحرارة المنعكسة من الشمس فتتحرك؛ فخُيّل إلى الحاضرين أنها ثعابين حقيقية تهتز؛ فسحروا أعين الحاضرين وخاف الناس خوفاً شديداً؛ ولذلك وصفه القرآن بأنه {سِحْرٌ عَظِيمٌ} في باب الصنعة والتمويه وخفة اليد والقدرة على التأثير في الحواس.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 298)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٢٩٨: يشير الشيخ السعدي إلى أن أمر موسى لهم بالإلقاء لم يكن رضاً بالسحر ولا أمراً به، وإنما كان على سبيل الإلزام والتحدي وإظهار عاقبة كيدهم، ليأتي الحق على بصيرة بعد أن يستنفد الباطل كل وسائله وقواه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ}: السحر في اللغة صرف الشيء عن وجهه الحقيقي إلى التخييل، ومعنى سحر الأعين: جعلها ترى الشيء على خلاف حقيقته المادية.
{وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}: السين والتاء للمبالغة والطلب، أي أبلغوا في إرهابهم وتخويفهم حتى أدخلوا الرهبة في أفئدتهم بصورة بالغة.
{عَظِيمٍ}: صفة مشبهة تدل على بلوغ الشيء الغاية في بابه ونوعه.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو (موسى).
{أَلْقُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{فَلَمَّا}: الفاء استئنافية تعقيبية، (لما) رابطية ظرفية متضمنة معنى الشرط.
{أَلْقَوْا}: فعل ماضٍ مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، وجملة الشرط لا محل لها.
{سَحَرُوا}: فعل ماضٍ وفاعله، وهو جواب الشرط.
{أَعْيُنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، و{النَّاسِ} مضاف إليه مجرور.
{وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على الضم وفاعله الواو، والهاء ضمير متصل مفعول به.
{وَجَاءُوا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ وفاعله.
{بِسِحْرٍ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل.
{عَظِيمٍ}: نعت لـ (سحر) مجرور بالكسرة.
القراءات المتواترة:
اتفق القراء العشرة على قراءة الآية بألفاظها المعروفة دون خلاف يؤثر في المعنى التركيبي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رتبت الأفعال ترتيباً معجزاً دقيقاً: {أَلْقُوا} -> {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} -> {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} -> {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}؛ فالإلقاء سبب التخييل البصري، وسحر الأعين أثمر الخوف والرعب في قلوب الناس، ومجموع ذلك شكل سحراً هائلاً في الموازين البشرية.
تقديم إلقاء السحرة كان تدبيراً إلهياً ليملأ الباطل الميدان بصولته الموهومة، فإذا ظهرت آية الله لم يبق لبقايا الشك موضع في قلوب الحاضرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يصف القرآن سحرهم بأنه {عَظِيمٍ}، وهل السحر شيء عظيم حقيقة في ميزان الحق؟
الدفع والمحاكمة العقلية: العظمة هنا نسبية مقيدة ببابها؛ أي هو سحر بلغ الغاية القصوى التي يمكن أن يصل إليها التمويه البشري والقدرة الصناعية في التأثير على الحواس وخداع الأبصار؛ وليس المراد أنه عظيم في ميزان الحقيقة والوجود؛ لأن القرآن نفسه نص على أنه سحر للأعين فقط {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ}، فالأعيان لم تنقلب في ذواتها، وإنما حيل بين الأعين وبين إدراك الحقيقة، مما يؤكد أن السحر لا يقلب الحقائق ولا يخلق ذواتاً، وإنما غايته التلبيس الحسي.
إضافة السحر إلى الأعين {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ}: إيجاز بليغ وتدقيق علمي عقدي يفيد أن التغيير لم يقع على العصي والحبال بذاتها بل على مدارك الرائين، فالحبال بقيت حبالاً ولكن أعين الناس خُدعت.
صيغة الاستفعال في {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}: تدل على تعمد إيقاع الرهبة واستجلابها بالقوة والتكلف عبر استعراض مهول للأشكال والأصوات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أهل الباطل يعتمدون دوماً على تزييف الوعي وسحر الأعين وإرهاب الجماهير حتى يمنعوهم من التفكير السليم؛ فالديكتاتوريات والمذاهب الهدامة تستخدم البروباغاندا لإرهاب الناس وصرفهم عن رؤية الحقائق المجردة.
ثقة الداعية بحق الله تجعله يترك للباطل فرصة الانتفاخ الزائف؛ لأن البالون المنتفخ أسرع انفجاراً وأوضح هلاكاً عند وخزة الحق.