تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 296)جامع البيانالطبري١٣/٢٩٦: يوضح الطبري أن الله تبارك وتعالى يدعو هؤلاء المشركين إلى النظر والتدبر في ملكه وسلطانه الأعظم: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ أي في ملك الله العظيم وسلطانه الباهر وإتقان صنعه في السماوات والأرض، وفي كل ما خلق الله من دقيق وجليل فيستدلوا بذلك على وحدانيته وقدرته على البعث؛ {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} أي ألم يتفكروا في سرعة انقضاء أعمارهم ومباغتة الموت لهم وهم على كفرهم فيصيروا إلى عذاب أبدي لا رجعة فيه؟ {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؛ أي فبأي كلام أو كتاب أو برهان بعد هذا القرآن العظيم الصادق المعجز يصدقون ويؤمنون إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب المنير؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 523)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٣: يذكر ابن كثير أن هذه الآية حث على النظر العقلي في آيات الآفاق والأنفس، وتذكير بقصر الآجال لئلا يفوت أوان التوبة؛ والقرآن هو غاية البلاغ فمن لم يهدِه القرآن فلا هادي له.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 372)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٧٢: يبين القرطبي أن لفظ {مَلَكُوتِ} هو الملكوت العظيم المبالغ فيه؛ وتاء الملكوت تزاد للمبالغة والتعظيم كالجبروت والرهبوت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مَلَكُوتِ}: فَعَلُوت من المُلك، زيدت فيه الواو والتاء للمبالغة والتعظيم، وهو الملك العظيم التام المحيط بكل الكائنات.
{حَدِيثٍ}: الكلام الذي يُتحدث به، والمراد به هنا القرآن الكريم المنزل بالحق.
{عَسَىٰ}: فعل ماضٍ جامد من أفعال الرجاء، والمصدر المؤول من (أن يكون) فاعلها.
{أَن يَكُونَ}: (أن) مصدرية، (يكون) فعل مضارع ناقص منصوب بالفتحة.
{قَدِ}: حرف تحقيق.
{اقْتَرَبَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{أَجَلُهُمْ}: فاعل مرفوع والهاء مضاف إليه، وجملة اقترب أجلهم في محل نصب خبر كان، وجملة عسى واسم الشأن وخبرها في محل نصب معطوفة على ما ينظرون فيه.
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، (أيّ) اسم استفهام مجرور وهو مضاف متعلق بـ (يؤمنون).
{حَدِيثٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{بَعْدَهُ}: ظرف زمان متعلق بمحذوف نعت لـ (حديث) والهاء مضاف إليه تعود على القرآن (أو على النبي صلى الله عليه وسلم).
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع البديع بين برهاني الآفاق والأنفس:
برهان الآفاق الممتد: النظر في ملكوت السموات والأرض وعجائب المخلوقات الدالة على الخالق القادر.
برهان الزمن والأنفس المباغت: التفكر في حتمية الموت واقتراب الأجل؛ لإثارة الخوف الإيجابي الذي يطرد التسويف.
ختام الآية بالاستفهام الإنكاري الإعجازي: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؛ فالقرآن بلغ الغاية في الحجة والبيان والإعجاز والصدق؛ فإذا كذبوا به فما بقي في الوجود كلام يمكن أن يهديهم!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل النظر والتفكر في ملكوت السماوات والأرض واجب شرعي أم هو مجرد فضيلة علمية اختيارية؟
الدفع والمحاكمة الشرعية والعقلية:
صيغة الاستفهام الإنكاري التوبيخي في {أَوَلَمْ يَنظُرُوا} تدل عند علماء الأصول والتفسير على وجوب النظر والاستدلال؛ فالنظر العقلي المتجرد في آيات الكون ومخلوقات الله هو السبيل الفطري لإدراك التوحيد وعظمة الخالق سبحانه؛ وتعطيل النظر والتفكر ركون إلى الغفلة والجهل المذموم؛ فالإسلام دين برهان ونظر لا دين تقليد أعمى وأساطير.
صيغة المبالغة في {مَلَكُوتِ}: تفيد الهيمنة والسلطان المطلق والإتقان العظيم الذي يلف كل ذرة في هذا الكون الفسيح.
التنكير في {مِن شَيْءٍ}: يفيد استغراق كل مخلوق مهما صغر؛ فالبعوضة والذرة كالسماء والمجرة في دلالتها على حكمة الصانع.
التسويف المقلق في {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}: يقطع حبال الأمل الدنيوي الخادع؛ فالموت قد يكون على بعد لحظات، فبادر بالإيمان قبل فوات الأوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عبادة التفكر في الكون: التأمل في السماء والأرض والمخلوقات يجدد الإيمان في القلوب ويورث تعظيم الخالق وخشيته.
اغتنام العمر ومحاربة طول الأمل: العاقل يعيش يومه مستعداً للقاء ربه؛ فالموت يأتي بغتة، ومن سوف التوبة ركبه الندم حين لا ينفع الندم.