تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 69)جامع البيانالطبري١٣/٦٩: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة أن الرجز هنا هو العذاب الشديد الذي نزل بهم؛ وقيل هو الطاعون أو الموت الجارف أو ما ذكر من الآيات المفصلات السابقة من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم؛ فلما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وعجزت آلهتهم وسحرتهم عن كشف الضر، لجأوا صاغرين إلى موسى عليه السلام قائلين: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ}؛ أي بحق عهده معك واصطفائه لك بالنبوة وإجابته لدعوتك، وعاهدوه بالأيمان المغلظة: {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}؛ فأعطوه عهداً مزدوجاً: الإيمان والتصديق، وفك أسر بني إسرائيل وإطلاق سراحهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 461)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦١: يوضح ابن كثير أن هذا كان ديدن آل فرعون عند كل بلاء ينزل بهم: إذا أصابهم العذاب تضرعوا واستكانوا وتعهدوا بالطاعة، فإذا دعا موسى فكشف الله عنهم نقضوا العهد ومردوا على النفاق والكفران.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 267)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٦٧: يذكر القرطبي أن الرجز في كلام العرب هو العذاب المقلق، مأخوذ من الرَّجَز وهو الاضطراب؛ ومنه رجز البعير إذا تقاربت خطاه واضطربت لعلة في ركبتيه؛ فسُمي العذاب رجزاً لاضطراب القلوب والأبدان منه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَهِدَ}: العهد الوصية والميثاق، والمراد به ما عهد الله به إلى موسى من إجابة دعوته وإكرامه بالنبوة.
{لَنُؤْمِنَنَّ}: نون التوكيد الثقيلة المتصلة بالفعل المضارع في جواب القسم المقدر، والإيمان التصديق والإذعان.
الإعراب والتركيب:
{وَلَمَّا}: الواو عاطفة، (لما) ظرفية شرطية غير جازمة.
{وَقَعَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، وجملة الشرط مضاف إليه لـ (لما).
{عَلَيْهِمُ}: جار ومجرور متعلقان بـ (وقع).
{الرِّجْزُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
{يَا مُوسَى}: (يا) أداة نداء، (موسى) منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر للتعذر.
{ادْعُ}: فعل أمر دعائي مبني على حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (ادع).
{رَبَّكَ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{بِمَا}: الباء للقسم أو السببية أو الاستعطاف، (ما) موصولة أو مصدرية.
{عَهِدَ}: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول.
{عِندَكَ}: ظرف مكان متعلق بـ (عهد) وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
{لَئِن}: اللام موطئة للقسم، (إن) حرف شرط جازم.
{كَشَفْتَ}: فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
{عَنَّا}: جار ومجرور متعلقان بـ (كشفت).
{الرِّجْزُ}: مفعول به منصوب.
{لَنُؤْمِنَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (لنؤمنن).
{وَلَنُرْسِلَنَّ}: معطوف على لنؤمنن مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{مَعَكَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (نرسلن)، والكاف مضاف إليه.
{بَنِي}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على كسر الراء في {الرِّجْزُ} هنا وفي سائر السورة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب دقيق: بعد أن قالوا بمكابرة في الآية (132): {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}، جاءت الشدائد فقصمت ظهورهم حتى نطقوا بذات اللفظ مضادين لموقفهم الأول فقالوا بالقسم المغلظ: {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ}؛ فالبلاء كسر عنجهيتهم وألجأهم إلى التذلل لرسول الله.
التوسل بموسى وبعهده مع ربه: مع كفرهم كانوا يعلمون يقيناً في قرارة أنفسهم صدق موسى وقربه من الله، وأن فرعون لا حيلة له ولا كشف للضر إلا بدعاء موسى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا استجاب موسى لهم ودعا ربه لكشف العذاب مع علمه بنفاقهم وتكرار نكثهم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: موسى عليه السلام نبي كريم بعث رحمة وهداية وإقامة للحجة البالغة؛ ودعاؤه بكشف العذاب كان استجابة لأمر ربه لإلزامهم بالحجة وقطع كل معذرة لهم، حتى إذا نكثوا العهد مرة بعد أخرى تبين للناس أجمعين إجرامهم المتأصل واستحقاقهم الكامل للهلاك والاستئصال بغير ظلم.
إضافة الرب إلى الكاف {رَبَّكَ}: تكشف عن بقاء رواسب الجحود في نفوسهم؛ فلم يقولوا "ادع لنا ربنا" بل قالوا "ربك"، مما يظهر أنهم إنما طلبوا الخلاص الحسي العاجل دون إخلاص الإيمان في الباطن.
القسم المؤكد بنون التوكيد في {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ}: مبالغة كاذبة في التعهد لإغراء موسى بسرعة الدعاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طبيعة المنافقين ومرضى القلوب: إذا مستهم البأساء والضراء تضرعوا وأظهروا الاستقامة والوعود الصادقة، فإذا كُشفت الغمة عادوا إلى طغيانهم القديم.
حلم الأنبياء والدعاة وصبرهم على لؤم المعاندين وبذل الخير لهم رجاء توبتهم واستنقاذهم من الهلاك.