تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 350)جامع البيانالطبري١٣/٣٥٠: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} قال: "هم إخوان الشياطين من كفار الإنس وفجارهم؛ تَمدهم الشياطين في الضلالة، وتزين لهم الباطل، ثم لا الشياطين تُقصر عن الإمداد، ولا الإنس يُقصرون عن اتباع الغي والعمل به". ونقل عن مجاهد وقتادة والضحاك نحو ذلك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 540)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٤٠: يوضح ابن كثير وجه التقابل بين الآيتين: فإن المتقين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فأبصروا ورجعوا، أما إخوان الشياطين من المشركين وأهل النفاق والغواية فإن الشياطين تتابع عليهم الوساوس والضلالات وتمدهم فيها مدداً متواصلاً، ثم لا يقصر الفريقان عن هذا التردي؛ فالشياطين لا تكف عن الإغواء، والفجار لا يكفون عن الفجور.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 359)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٥٩: يبين القرطبي أن معنى "لا يقصرون" أي لا يمسكون ولا ينتهون؛ يقال: أقصر عن الشيء إذا كف عنه وتركه وهو قادر عليه؛ فبين الله أن العلاقة بين الشياطين وأوليائهم علاقة تلاحم واسترسال في الفساد إلى الهلاك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَإِخْوَانُهُمْ}: الإخوان جمع أخ، والمقصود هنا الأخوة في الكفر والضلال والمسلك، كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27].
{يَمُدُّونَهُمْ}: من المد، وهو الزيادة والمتابعة وتكثير الشيء؛ يقال: مده يمده إذا زاد فيه وأعانه وأطال له؛ وفرق بعض اللغويين بين مدّ وأمدّ، فالمد يغلب في المكروه والزيادة في الشر كقوله: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا}، والإمداد بالهمز يغلب في المحبوب والإعانة بالخير كقوله: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ}.
{الْغَيِّ}: الغي نقيض الرشد، وهو الضلال والانهماك في الباطل مع الجهل المركب وسوء القصد.
{لَا يُقْصِرُونَ}: من أقصر عن الشيء رباعياً إذا كف عنه وتركه مع القدرة عليه؛ أما قصر ثلاثياً فمعناه عجز عنه؛ والمراد هنا: لا يكفون ولا ينتهون عن غيهم وإغوائهم.
الإعراب والتركيب:
{وَإِخْوَانُهُمْ}: الواو عاطفة لمقابلة حال الكفار بحال المتقين، إخوان مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم علامة الجمع.
{يَمُدُّونَهُمْ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل فاعل، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.
{فِي الْغَيِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يمدونهم).
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي واستبعاد الرشد واستمرار الباطل.
{لَا}: حرف نفي.
{يُقْصِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة (يمدونهم).
وقرأ الباقون من السبعة والعشرة: {يَمُدُّونَهُمْ} بفتح الياء وضم الميم من مَدَّ يَمُدُّ ثلاثياً.
وتوجيه القراءتين: أن المد والإمداد يشتركان في أصل الزيادة؛ فقراءة الجمهور {يَمُدُّونَهُمْ} تؤكد الاسترسال والمطاولة في الإغواء، وقراءة نافع {يُمِدُّونَهُمْ} تبين الإعانة المتتابعة وتزويدهم بأساليب التضليل والإفساد دفعة بعد دفعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية الفذة بين فئتين:
فئة المتقين: معهم بصر التقوى، فإذا مسهم طائف من الشيطان هبوا وتذكروا فاستبصروا وأقلعوا.
فئة الغاوين إخوان الشياطين: قلوبهم عمياء، يستجيبون للشيطان ويستمرئون إمداده، فيمدهم في الغي ولا يفيقون ولا يقصرون حتى يحل بهم العذاب.
هذا النظم يصور الصراع الداخلي للإنسان: إما يقظة تقوى واستبصار، وإما غفلة وتبعية للشيطان وعمى دائم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة مرجع الضمائر في {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} و{لَا يُقْصِرُونَ}:
ثار جدل بين المفسرين حول من يمد من؟ ومن الذي لا يقصر؟
المحاكمة التفسيرية واللغوية الدقيقة:
الوجه الأول: الضمير في {وَإِخْوَانُهُمْ} للشياطين (أي إخوان الشياطين من كفار الإنس)، والواو في {يَمُدُّونَهُمْ} للشياطين والهاء للإنس؛ أي الشياطين تمد كفار الإنس في الغي والضلال، ثم الشياطين لا تقصر في الإغواء والإنس لا يقصرون في المعصية.
الوجه الثاني: الإخوان هم الشياطين أنفسهم، وكفار الإنس يمدونهم بتمكينهم من أنفسهم وطاعتهم.
والتحقيق الذي رجحه الطبري وابن كثير هو الوجه الأول؛ لأن الشياطين هم أصحاب الإغواء والإمداد بالوسوسة والباطل، وحذف تحديد الفاعل في {لَا يُقْصِرُونَ} إعجاز بياني ليشمل الفريقين معاً: فلا الشيطان يكف عن الوسوسة والإغواء، ولا الإنسي الغاوي يكف عن ارتكاب الغي والضلال؛ فهما متواطئان على الهلاك.
التعبير بلفظ {إِخْوَانُهُمْ}: استعارة تصريحية للدلالة على شدة التشاكل والموالاة والمحبة والمطاوعة بين الفجار والشياطين، حتى صاروا كالإخوة في النسب يجمعهم بيت الضلالة.
التعبير بـ {ثُمَّ} في قوله {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}: يفيد التراخي الرتبي واستقباح هذا الحال؛ فالمتوقع لمن يرى عواقب الغي والفساد أن يرعوي ويفيق، لكن هؤلاء بلغوا من الاستحكام في العمى حداً يستمرون معه بلا نهاية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة الاسترسال مع المعصية: المعصية تجر أختها، وإذا استجاب العبد لوسوسة الشيطان فتح له الشيطان أبواباً أوسع من الغي وأمده بأسباب الفتنة حتى يعمى قلبه ويصعب عليه الإقلاع.
الحذر من شياطين الإنس والجن: صحبة أهل الغفلة والفساد تجعل العبد مستدرجاً في حبائل الضلال؛ فالواجب قطع حبال الأخوة الباطلة والاعتصام بصحبة المتقين المستبصرين.