تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 46)جامع البيانالطبري١٣/٤٦: ينقل الطبري عن السدي وابن عباس ومجاهد أن فرعون كان أول من سن الصلب والقطع من خلاف في العقوبات؛ فأقسم بالأيمان المغلظة المؤكدة بنون التوكيد ولام القسم: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ}؛ أي يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو العكس، ثم يصلب أجسادهم على جذوع النخل في مكان عام لتكون عبرة ونكالاً للناس أجمعين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 452)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٢: يوضح ابن كثير أن هذا التهديد البشع بالتمثيل الجسدي والقتل الشنيع يعكس غيظ فرعون ووحشيته؛ حيث أراد إرهاب السحرة ليرتدوا عن دينهم، وإرهاب سائر الناس لئلا يتبعوهم؛ فتوعدهم بأشد أنواع العقوبات إيلاماً وإهانة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 255)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥٥: يبين القرطبي أن القطع من خلاف عقوبة تهدف إلى إعاقة الجسد تماماً عن الحركة والتوازن قبل إزهاق الروح بالصلب؛ مما يدل على سادية الطغيان حين ينتقم لكرامته المهدورة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَأُقَطِّعَنَّ}: التقطيع تفعيل من القطع، والتضعيف فيه يدل على التكثير والمبالغة والتشديد في الفعل.
{مِّنْ خِلَافٍ}: الخلاف المخالفة والعكس؛ أي تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، فيخالف بين الجهتين.
{لَأُصَلِّبَنَّكُمْ}: التصلّيب شدة الصلب، والصلب هو تعليق الجسد على خشبة أو جذع حتى يموت جوعاً وعطشاً ونزفاً.
الإعراب والتركيب:
{لَأُقَطِّعَنَّ}: اللام واقعة في جواب قسم محذوف تقديره: والله لأقطعن، (أقطعن) فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا.
{أَيْدِيَكُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، والكاف مضاف إليه.
{وَأَرْجُلَكُم}: معطوف على أيديكم منصوب بالفتحة وهو مضاف، والكاف مضاف إليه.
{مِّنْ خِلَافٍ}: جار ومجرور في محل نصب نعت أو حال من الأيدي والأرجل؛ أي كائنة من خلاف.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي في الزمن لإبراز فظاعة التدرج في التعذيب.
{لَأُصَلِّبَنَّكُمْ}: اللام واقعة في جواب القسم، فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به.
اتفق القراء العشرة على تشديد الطاء في {لَأُقَطِّعَنَّ} وتشديد اللام في {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} على وزن التفعيل الدال على المبالغة والتشديد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترتيب الإجرامي للعقوبة: بدأ بالقطع {لَأُقَطِّعَنَّ}، وفصله بصفة التعذيب {مِّنْ خِلَافٍ}، ثم عطف بـ {ثُمَّ} الدالة على التراخي لإشعارهم بأن الصلب يعقب النزف والآلام الممتدة، ثم أكد شمول العقوبة للكل بـ {أَجْمَعِينَ} دون استثناء لأي تائب.
تناسب هذا الوعيد مع خوف فرعون الهائل من تصدع ملكه، فالإرهاب الأقصى هو السلاح الأخير لمن سقطت حجته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقدم حاكم على قتل أعظم نخبة علمية في مملكته (السحرة) بهذه الطريقة الوحشية؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الطاغية لا يعبأ بالقيمة العلمية ولا بالمكانة الاجتماعية إذا تعارضت مع بقاء كرسيه وسلطانه؛ فالنخبة التي كانت مقربة بالأمس تصبح هي العدو الأول اليوم إذا صدعت بالحق؛ لأن إيمان هؤلاء العلماء بالذات كان يمثل تهديداً وجودياً لشرعية فرعون الإلهية الزائفة، فكان إفناؤهم والتمثيل بهم في نظره ضرورياً لردع الأمة كلها عن التفكير المستقل.