تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 150)جامع البيانالطبري١٣/١٥٠: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن موسى عليه السلام أتم دعاءه الجامع لخيري الدنيا والآخرة: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} وهي العافية والرزق الحلال والعمل الصالح والتوفيق، {وَفِي الْآخِرَةِ} المغفرة والجنة والكرامة؛ وعبر عن التوبة الصادقة بقوله: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك خاضعين؛ فأجابه الله بجوابه الحكيم العظيم: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} من أهل الجحود والظلم بعدلي، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} في الدنيا شملت البر والفاجر والمؤمن والكافر والبهائم وكل مخلوق؛ {فَسَأَكْتُبُهَا} في الآخرة كتابة إيجاب وتخصيص {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الشرك والمعاصي {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} المفروضة {وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 485)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨٥: يوضح ابن كثير أن هذه الآية من أعظم آيات الرجاء في كتاب الله؛ فروي أن إبليس لما سمع قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} طمع فيها وظن أنه يدخل في سعتها، فلما قال تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ...} أيس إبليس وخرج منها؛ ثم لما نزلت الآية التالية بصفات النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم اختصت بالمسلمين من أتباعه؛ فالرحمة وإن كانت واسعة في الدنيا بذاتها فإن وجوبها الأبدي في الآخرة مقيد بشرائط التقوى والإيمان والاتباع.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 338)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٣٨: يقرر الشنقيطي أن رحمة الله وسعت كل شيء سعة عموم وشمول في الدنيا بالإيجاد والإمداد والرزق والمعافاة، ولكن الله قيد كتابتها وثبوتها الدائم في الآخرة لأهل التقوى والإيمان؛ فلا يغتر عاصٍ بسعة الرحمة مع تركه لأسبابها الشرعية التي قيدها الله بها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{هُدْنَا}: هاد يهود هَوْداً، أي تاب وأناب ورجع إلى الحق، ومنه سميت اليهود لتوبتهم عن عبادة العجل (أو نسبة ليهوذا).
{وَسِعَتْ}: وسع الشيء اتسع له واستوعبه ولم يضق عنه.
{فَسَأَكْتُبُهَا}: السين للاستقبال والتأكيد، والكتابة هنا القضاء الحتمي والإيجاب والتقدير الذي لا يبدل.
الإعراب والتركيب:
{وَاكْتُبْ}: الواو عاطفة، فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (اكتب).
{فِي هَٰذِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (اكتب)، و(هذه) اسم إشارة مبني في محل جر.
{الدُّنْيَا}: بدل من اسم الإشارة مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
{حَسَنَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَفِي الْآخِرَةِ}: معطوف على في هذه الدنيا، والتقدير: واكتب لنا في الآخرة حسنة.
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب و(نا) اسمها.
{هُدْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل، والجملة خبر إن، والمصدر تعليلي للدعاء.
{إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (هدنا).
{قَالَ}: فعل ماضٍ وفاعله لفظ الجلالة مستتر.
{عَذَابِي}: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بكسرة المناسبة، والياء مضاف إليه.
{أُصِيبُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنا.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أصيب).
{مَنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (أصيب).
{أَشَاءُ}: فعل مضارع وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول، وجملة أصيب في محل رفع خبر المبتدأ (عذابي).
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، اسم موصول معطوف على الذين الأولى.
{هُم}: ضمير منفصل مبتدأ.
{بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (يؤمنون)، و(نا) مضاف إليه.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة خبر هم، وجملة هم يؤمنون صلة الموصول.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ}، وقرئ في الشواذ (أصيب به من أساء) بالسين والهمزة من الإساءة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الدقيقة بين سعة الرحمة وعدالة العذاب: أضاف العذاب إلى مشيئته فقال: {أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} بمقتضى العدل والحكمة، وأضاف الرحمة إلى ذاته فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}؛ فغلب جانب الرحمة على جانب العذاب، لأن رحمته سبقت غضبه.
تقييد المطلق بحكمة التشريع: أطلق الرحمة أولاً لبيان وسعها الذاتي، ثم قيد استحقاقها الأبدي في الآخرة بثلاثة أوصاف جامعة:
التقوى الكلية: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}.
العمل المالي والبدني الصالح: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إذا كانت رحمة الله وسعت كل شيء، فلماذا يخلد الكفار في العذاب الأليم ولا تسعهم تلك الرحمة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الرحمة وسعت كل شيء في دار الدنيا؛ فلم يُحرم منها كافر ولا جاحد من صحة ورزق وأمن وإمهال؛ ولكن الدار الآخرة هي دار الجزاء العادل وليست دار مهادنة؛ وقد صرح الله في نفس الآية بأنه قيد الرحمة الأخروية التامة بصفات الإيمان والتقوى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}؛ فالكافر هو الذي أخرج نفسه بسوء اختياره واستكباره من مظلة الرحمة الأخروية وأعرض عن أسبابها، كما يخرج المريض نفسه من الشفاء برفض الدواء؛ فالله لا يظلمه ولكن عدله يقتضي ألا يسوي بين أوليائه وأعدائه.
التنكير في {حَسَنَةً}: يفيد التعظيم والشمول لكل أصناف الخير والنعم الدنيوية والروحية.
صيغة العموم المطلق في {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}: تفيض بالطمأنينة والرجاء وتبين أن أصل الخلق والوجود قائم على الرحمة والفضل الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء الجامع لخيري الدارين: ينبغي للمؤمن أن يسأل ربه حسنة الدنيا والآخرة كما سأل كليم الله موسى، مقتدياً بالدعاء النبوي الشريف: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
الرحمة الأخروية لا تنال بالأماني المجردة بل بالعمل والتقوى؛ فمن أراد أن تشمله رحمة الله الأبدية فليحقق التقوى في سره وعلنه وليؤتِ الزكاة وليعظم آيات الله بالامتثال والتصديق.