تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 87)جامع البيانالطبري١٣/٨٧: ينقل الطبري عن قتادة ومجاهد والسدي وابن عباس أن الله يذكر بني إسرائيل بنعمته العظمى عليهم حين أنقذهم من قهر فرعون وجنده الذين كانوا يذيقونهم أشد العذاب وأهونه؛ حيث كانوا يذبحون مواليدهم الذكور ويستبقون الإناث للخدمة والاستعباد؛ وفي هذا الصنيع بلاء عظيم من الله: إما بلاء بمعنى المحنة والشدة التي امتحنهم الله بها في سنوات الاستضعاف، أو بلاء بمعنى النعمة الكبرى بإنقاذهم واستئصال عدوهم، لأن البلاء يطلق في كلام العرب على الخير والشر معاً، كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 467)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٧: يوضح ابن كثير أن هذا التذكير القرآني جاء في سياق توبيخهم على طلبهم عبادة الأصنام؛ فكأن الله يقول لهم: اذكروا نعمة النجاة من ذلك الطاغية الذي كان يسومكم الخسف ويقتل أولادكم؛ فكيف تتركون شكر من نجاكم وتعدلون عنه إلى عبادة الحجارة الصماء؟
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 277)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٧٧: يبين القرطبي أن {يَسُومُونَكُمْ} معناه يكلفونكم ويديمون عليكم المشقة؛ مأخوذ من سامة الدابة إذا أسامها في المرعى وكلّفها العمل الشاق الدائم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَظِيمٌ}: نعت ثانٍ لـ (بلاء) مرفوع بالضمة الظاهرة.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن عامر {أَنجَيْتُكُمْ} بالتاء المضمومة على التكلم المفرد، وقرأ الباقون من العشرة {أَنجَيْنَاكُم} بنون العظمة.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر {يُقَتِّلُونَ} بالتشديد للتكثير، وقرأ يعقوب الحضرمي بالتخفيف {يَقْتُلُونَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص خاتمة متممة لقصة خروج بني إسرائيل من مصر؛ حيث التفت الخطاب إليهم بالمواجهة والتذكير بالنعم: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم}؛ ليربط بين البداية (الاستضعاف والذبح في مصر) وبين النهاية (النجاة وفلق البحر)، ليبرهن على شناعة ما قالوه من طلب إله غير الله.
التكرار الواعي مع سورة البقرة وإبراهيم يبرز المركزية التربوية لهذه الحادثة في الذاكرة الجمعية للمؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عبر القرآن بـ {بَلَاءٌ... عَظِيمٌ}، وهل البلاء هو العذاب الفرعوني أم هو النجاة الإلهية؟
الدفع والمحاكمة العقلية: البلاغة القرآنية العظمى تستوعب المعنيين معاً بحسب مرجع اسم الإشارة {ذَٰلِكُم}؛ فإن أشرت به إلى صنيع فرعون من تسليط سوء العذاب وتقتيل الأبناء فهو بلاء بمعنى المحنة والابتلاء والتمحيص الإلهي الشديد الذي صهر بني إسرائيل، وإن أشرت به إلى النجاة وإهلاك العدو فهو بلاء بالمعنى الآخر المشهور في العربية وهو الإنعام العظيم والاختبار بالشكر؛ وكلا المعنيين حق يوجب دوام اللجوء إلى الله والاعتراف بربوبيته وتوحيده.
المضارع في {يَسُومُونَكُمْ} و{يُقَتِّلُونَ} و{يَسْتَحْيُونَ}: استحضار للصورة المأساوية الحية المتكررة؛ فالتقتيل لم يكن حادثة واحدة عابرة بل كان سياسة إجرامية مستمرة تمارس يومياً لإذلالهم واستئصال شأفتهم.
إضافة الرب إلى ضميرهم {رَّبِّكُمْ} ووصف البلاء بـ {عَظِيمٌ}: فيه إيقاظ للوجدان الإيماني بأن كل ما جرى كان بتدبير الرب الرحيم المربي ليعلمهم الصبر ويعرفهم بحق التوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكير الشعوب المستنقذة بأيام الاستبداد والذل من أعظم أدوات تثبيت الهوية وشكر نعمة الحرية والتوحيد؛ فالأمة التي تنسى ويلات العبودية القديمة تسارع إلى استعباد نفسها للبدع والأصنام الجديدة.