تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 278)جامع البيانالطبري١٣/٢٧٨: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الله تعالى يقرر أن له الأسماء الحسنى البالغة الغاية في الحسن والكمال والجمال؛ فأمر عباده أن يدعوه ويسألوه ويتوسلوا إليه بها في دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ ونهاهم عن مجاراة الملحدين: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}؛ والإلحاد في أسمائه الميل بها عن الحق والعدول عن الصواب؛ كأن يطلقوا أسماءه على أصنامهم باشتقاق ناقص، كما اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان؛ أو ينكروا حقائقها ودلالاتها كما فعلت الجهمية والمعطلة؛ أو يصفوه بما لا يليق بجلاله؛ وتوعدهم بالجزاء العادل: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 517)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٧: يذكر ابن كثير الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة؛ وهو وتر يحب الوتر»؛ ويوضح أن أسماء الله ليست محصورة في هذا العدد بدليل حديث ابن مسعود: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»؛ ويوضح أن أسماء الله كلها أعلام وأوصاف تدل على أكمل النعوت وأشرفها.
تفسير ابن القيم (مدارج السالكين، ج 1، ص 415)مدارج السالكينابن القيم١/٤١٥: يحرر الإمام ابن القيم مراتب الإلحاد في أسماء الله وصفاته بأنها خمسة أنواع:
تسمية الأصنام بها باشتقاق أسمائها منها كتسمية اللات من الإله.
تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أباً والفلاسفة علة فاعلة.
وصفه بالنقائص والعيوب كقول اليهود: يد الله مغلولة.
تعطيل أسمائه عن معانيها ونفي حقائقها كقول الجهمية والمعتزلة: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.
تشبيه صفاته بصفات خلقه وتمثيلها. وكل هذه المزالق إلحاد يجب اعتزاله والحذر منه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْحُسْنَىٰ}: مؤنث الأحسن، وهو اسم تفضيل دال على بلوغ الغاية القصوى في الحسن والكمال والجمال والجلال.
{يُلْحِدُونَ}: ألحد يُلحد إلحاداً، وأصله المَيْل عن القصد والاستقامة؛ واللحد في القبر هو الشق المائل إلى أحد جانبيه؛ فالإلحاد هو العدول والميل والانحراف عن الصراط المستقيم في أسماء الله.
الإعراب والتركيب:
{وَلِلَّهِ}: الواو استئنافية، اللام حرف جر للاستحقاق والاختصاص، لفظ الجلالة مجرور باللام متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{الْأَسْمَاءُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْحُسْنَىٰ}: نعت لـ (الأسماء) مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{فَادْعُوهُ}: الفاء فصيحة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول.
{بِهَا}: متعلقان بـ (ادعوه).
{وَذَرُوا}: الواو عاطفة، فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (ذروا).
{يُلْحِدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فِي أَسْمَائِهِ}: متعلقان بـ (يلحدون)، والهاء مضاف إليه.
{سَيُجْزَوْنَ}: السين للاستقبال والتأكيد، فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة مستأنفة للوعيد.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (يجزون).
وقرأ الباقون {يُلْحِدُونَ} بضم الياء وكسر الحاء رباعياً من أَلْحَدَ يُلْحِدُ، وهما لغتان فصيحتان متطابقتان في المعنى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء تقرير الأسماء الحسنى بعد آية الغفلة والضلال والجهل في الآية السابقة؛ لبيان أن الطريق الأوحد للنجاة من الغفلة وتحصيل البصيرة واليقين هو معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى والتعلق به؛ فالقلب لا يحيى إلا بمعرفة ربه.
تقديم الجار والمجرور {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ}: يفيد الحصر والاختصاص المطلق؛ فكل كمال وحسن منسوب إلى أسمائه سبحانه وتعالى وحده دون شريك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الدفع والمحاكمة العقلية والعقدية الصارمة عند أئمة السنة:
أسماء الله وصفاته توقيفية، وإثبات معانيها الحقيقية اللائقة بجلاله هو أصل التوحيد الذي نزل به الوحي؛ والقاعدة العقلية المحكمة: "الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات"؛ فكما أن لله ذاتاً حقيقية لا تشبه الذوات، فكذلك له أسماء وصفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين؛ والاشتراك في أصل الاسم اللغوي (كالسميع والحي) لا يقتضي المماثلة في الكيفية والحقيقة؛ فنفي المعاني وتعطيلها هو عين الإلحاد المنهي عنه في هذه الآية {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}؛ وأهل السنة يثبتون الأسماء والصفات بلا تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، عملاً بالمحكم: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].