تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 49)جامع البيانالطبري١٣/٤٩: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد والسدي أن السحرة واجهوا فرعون بالحقيقة العارية قائلين: وما تكره منا ولا تعيب علينا ولا تطالبنا بجرم أو خيانة ارتكبناها في حقك إلا جرماً واحداً في ميزان طغيانك، وهو أننا صدقنا بآيات ربنا التي أظهرها على يد موسى لما رأيناها عياناً لا مراء فيه؛ ثم توجهوا إلى الله بالدعاء الخالص المستغيث: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}؛ أي أفض علينا وصب على قلوبنا صبراً واسعاً نتحمل به ألم القطع والصلب، وثبتنا على دين الإسلام حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 453)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٣: يبين الحافظ ابن كثير أن هذا الرد يتضمن أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ أي ما ذنبنا عندك إلا الإيمان بالحق؛ فإذا كان الإيمان ذنباً فما أعظمه من ذنب نفتخر به! ثم لما علموا ضعف طاقتهم البشرية عن تحمل أهوال التعذيب والصلب بغير تأييد إلهي، فزعوا إلى الله بالدعاء: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا}، فطلبوا الصبر والوفاة على الإسلام طلباً جازماً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 257)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥٧: يوضح القرطبي معنى الإفراغ؛ وهو الصب التام الذي يملأ الإناء ويفيض عنه، والمعنى: املأ جوانحنا وقلوبنا بالصبر حتى لا يبقى فيها موضع لجزع أو ضعف أمام تهديد فرعون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَنقِمُ}: نقم ينقِم (وينقَم) نقماً ونقمة، أي كره وعاب وأنكر واستقبح وعاقب عليه.
{أَفْرِغْ}: فرغ يفرغ، وأفرغ رباعي متعدٍّ، والإفراغ صب الماء أو المائع صباً عاماً مستوعباً للوعاء.
{وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}: التوفي قبض الأرواح، والمسلمون هم المخلصون المستسلمون المنقادون لأمر الله وتوحيده.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو حالية أو استئنافية، (ما) نافية تعمل عمل لا أو مهملة على حسب التوجيه، والأصح أنها نافية لا عمل لها هنا.
{أَفْرِغْ}: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَلَيْنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (أفرغ).
{صَبْرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَتَوَفَّنَا}: الواو عاطفة، فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة (الألف المقدرة)، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(نا) ضمير متصل مفعول به.
{مُسْلِمِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور {تَنقِمُ} بكسر القاف مضارع نَقَمَ يَنقِمُ، وقرئ في الشواذ بفتحها نَقِمَ يَنقَمُ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا الدعاء مسك ختام لقصة السحرة ومواجهتهم مع فرعون في هذه السورة العظيمة؛ حيث انتقلوا من محاججة الطاغية وكشف دوافعه الحقيقية إلى التضرع للرب العظيم؛ لأن المعركة في نهايتها ليست جسدية بل هي معركة ثبات روحي على التوحيد.
التناسب مع اسم السورة (الأعراف) ومحورها الأساسي: الصراع بين دعوات الرسل وطغيان المستكبرين، والانتصار الحقيقي ليس بالبقاء الجسدي بل بالوفاة على الإسلام والكرامة عند الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا طلبوا الموت في قولهم {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}، مع أن تمني الموت منهي عنه شرعاً؟
الدفع والمحاكمة العقلية: لم يطلبوا الموت ابتداءً جزعاً من الدنيا ولا اعتداءً على النفس؛ وإنما رأوا القتل واقعاً بهم لا محالة ببطش فرعون الحتمي؛ فدعاؤهم كان منصباً على حسن الخاتمة والثبات على الإسلام حتى الرمق الأخير؛ كقول يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، أي: إذا توفيتني في أي وقت وعلى أي حال فاجعل وفاتي على دين الإسلام وثبتني حتى ألقاك مؤمناً مخلصاً.
أسلوب الحصر والاستثناء المفرغ {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا}: فيه إفحام تام للمستبد وتعرية لسبب النقمة الحقيقي، وهو أسلوب بديع في البلاغة يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، فكأنهم يقولون: ليس لنا عندك جريمة إلا أننا اتبعنا البرهان المنير!
الاستعارة المكنية في {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا}: شبه الصبر بماء عظيم أو مائع يصب ويفرغ إفراغاً على أجسادهم وقلوبهم، ليدل على طلب استيعاب الصبر لكل ذرة في كيانهم ليتغلبوا به على نيران التعذيب وتقطيع الأطراف.
تنكير {صَبْرًا}: للتعظيم والتكثير؛ أي صبراً غير معهود ولا محدود يليق بعظم البلاء القادم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كشف لطبيعة العداء التاريخي الذي يكنه الطغاة للمؤمنين: إنهم لا يعادونهم لأخطائهم بل لإيمانهم بربهم وتمسكهم بمبادئهم، كما قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8].
المؤمن لا يتكئ على شجاعته الذاتية ولا على علمه، بل يفزع عند البلاء إلى دعاء الله وطلب المدد؛ فالثبات منحة ربانية تطلب بالتضرع والدعاء {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
قمة الانتصار الحقيقي في ميزان الإيمان ليست في النجاة البدنية الدنيوية فحسب، بل في الموت على الإسلام دون التراجع قيد أنملة أمام الإرهاب والبطش.