تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 125)جامع البيانالطبري١٣/١٢٥: يوضح الطبري أن قوله {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} تعبير عربي فصيح يراد به: ندموا على ما فرط منهم أشد الندم، وسقطت قواهم وحيرتهم المخاوف؛ وذلك حين رجع موسى عليه السلام إليهم وكشف لهم شناعة صنيعهم وحرق العجل؛ فتيقنوا أنهم قد ضلوا ضلالاً مبيناً واستوجبوا سخط الله؛ فتضرعوا معترفين بذنوبهم قائلين: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 477)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٧: يبين ابن كثير أن هذه الآية مقدمة في النظم لبيان عاقبة توبتهم وندمهم، وإن كان وقوع الندم التام إنما كان بعد رجوع موسى واحتجاجه عليهم؛ ولكن القرآن قدم ذكر ندمهم هنا لبيان انحصار الفتنة وانكشاف الغمة بالاعتراف بالذنب والافتقار إلى رحمة الله ومغفرته.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 296)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٩٦: يذكر القرطبي أن تركيب {سُقِطَ فِي يَدِهِ} أصل لغوي يضرب لمن يعتريه عجز وحسرة وندم شديد لا يستطيع معه حيلة كمن سقط على وجهه مقهوراً في أيدي أعدائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ}: مَثَلٌ وتعبير كنائي عن الندم الشديد والتحسر، وأصله من السقوط وهو النزول بالقهر، وبني للمجهول للإشعار بأن الندم حل بهم وملكهم من غير اختيار.
{ضَلُّوا}: الضلال العدول عن الطريق المستقيم والوقوع في الشرك والباطل.
{الْخَاسِرِينَ}: جمع خاسر، وهو الذي غبن في صفقته وأضاع رأس ماله ونفسه في الآخرة.
{لَنَكُونَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمه مستتر تقديره نحن.
{مِنَ الْخَاسِرِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر نكون، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة القسم وجوابه مقول القول.
القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية شعبة وخلف العاشر {لَئِن لَّمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وَتَغْفِرْ لَنَا} بتاء الخطاب في الفعلين ونصب {رَبَّنَا} على النداء.
وقرأ الباقون (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم برواية حفص، أبو جعفر، يعقوب) {يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} بياء الغيبة ورفع {رَبُّنَا} على الفاعلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم التصويري البديع: رسم القرآن لحظة استيقاظ الضمير وانقشاع سكرة الوثنية؛ فبمجرد أن رأوا سوء عاقبتهم حل بهم الندم الجارف {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ}، وأدركوا ضلالهم، فلجأوا إلى الله بالدعاء الخالص المستغيث.
الجمع بين طلب الرحمة والمغفرة: {يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا}؛ فالمغفرة لستر الذنب وإسقاط العقوبة، والرحمة لجلب التوفيق والنجاة من الخسران الأبدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف ندموا قبل أن يرجع موسى، وظاهر الآية التالية {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ} يوحي بأن رجوعه كان بعد الندم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: في أسلوب القرآن البليغ يقدم ذكر العاقبة والنتيجة أحياناً لبيان تمام الأمر ومآله؛ أو أن طائفة منهم استيقظ عقلها وندمت قبل عودة موسى لما رأوا عجز العجل وصمته وخلوه من أي أمارة إلهية، ثم اكتمل ندم الجميع واعترافهم بالخطيئة بعد رجوع موسى وتوبيخه لهم؛ فالآية تبين مسار التوبة الذي فتح لهم بعد هذه الردة الفظيعة.
الإعجاز البلاغي في التعبير الكنائي {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ}: لم يقل "ندموا" بل استعمل هذه الكناية المركبة المعجزة التي تمثل حال النادم الذي انعقدت يداه وعجز عن أي حركة وأسقط في روعه الندم والهلع.
التوكيد بالقسم ونون التوكيد في {لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: يعبر عن صدق يقينهم بأن النجاة من الهلاك الأخروي مستحيلة بغير مغفرة الله وفضله ورحمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوبة الصادقة تبدأ بالاعتراف الكامل بالذنب دون تبرير أو مكابرة {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا}.
الافتقار المطلق إلى رحمة الله: العبد مهما عظم ذنبه فإنه لا يملك إلا أن يطرق باب الرحمة والمغفرة، معتقداً أن هلاكه حتمي إن لم يتداركه الله بفضله.