تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 62)جامع البيانالطبري١٣/٦٢: ينقل الطبري عن السدي ومجاهد وقتادة أن قوم فرعون أعلنوا العناد المطلق والإصرار الأعمى على الكفر؛ فقالوا لموسى عليه السلام جهاراً وتحدياً: أي شيء جئتنا به من المعجزات والآيات والدلائل لنصدقك ونترك ديننا، فلن نصدقك أبداً، وسنسمي كل ما تأتي به سحراً وتمويهاً؛ فسموا الآيات المعجزات سحراً كبراً وعتواً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 458)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٨: يبين ابن كثير أن هذا كان إياساً تاماً من إيمانهم وإعلاناً صريحاً عن قفل العقول والقلوب؛ فهم لم يعودوا يبحثون عن حجة ولا ينتظرون برهاناً، بل اتخذوا قراراً مسبقاً برفض الحق مهما كان وضوحه وإشراقه؛ وهو أقصى درجات الجحود والتعنت.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 264)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٦٤: يذكر القرطبي أن هذا الموقف أسقط كل عذر لهم؛ فلما أغلقوا باب الإيمان بالآيات الإرشادية استحقوا نزول الآيات المفصلات الانتقامية والضربات القاصمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مَهْمَا}: اسم شرط جازم لغير العاقل، وأصله عند البصريين (ما) الشرطية ركبت مع (ما) الزائدة فصارتا اسماً واحداً، وقيل أصلها (مه) بمعنى اكفف ضمت إليها (ما).
{لِّتَسْحَرَنَا}: اللام لام التعليل أو العاقبة، وسحر يسحر أي لصرفنا عن رأينا بالتخييل والخديعة في زعمهم.
الإعراب والتركيب:
{وَقَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل.
{مَهْمَا}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لـ (تأتنا)، أو في محل رفع مبتدأ وجملة الشرط خبره.
{تَأْتِنَا}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(نا) ضمير متصل مفعول به.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تأتنا).
{مِنْ آيَةٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف بيان وإيضاح لـ (مهما).
{لِّتَسْحَرَنَا}: اللام لام التعليل، (تسحرنا) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(نا) مفعول به، والمصدر المؤول مجرور باللام متعلق بـ (تأتنا).
{بِهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (تسحرنا).
{فَمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (ما) نافية تعمل عمل ليس أو حجازية مهملة عند تميم.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع اسم ما (أو مبتدأ).
{لَكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (مؤمنين).
{بِمُؤْمِنِينَ}: الباء حرف جر زائد للتوكيد، (مؤمنين) مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ما (أو خبر المبتدأ مرفوع محلاً).
القراءات المتواترة:
اتفق القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في الكلمات أو الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني يبين إصرارهم الأعمى؛ فهم سموا ما يأتي به {آيَةٍ} بلسانهم اعترافاً بأنه أمر خارق باهر، ولكنهم أتبعوها بـ {لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} لتجريدها من قداستها وحجيتها؛ فالعلة في نفوسهم المريضة لا في وضوح الدليل.
ترتب الآيات الانتقامية التالية في الآية (133): لما أعلنوا {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} كان الجواب الرباني المباشر: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ...}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إذا كانوا اعترفوا بأنها {آيَةٍ}، فلماذا أصروا على وصفها بالسحر ورفضوا الإيمان؟
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا هو جوهر الكفر العنادي والجحود الذي عناه القرآن في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]؛ فاللفظ صدر منهم على سبيل المجاراة والتحدي؛ أي مهما أطلقت على خوارقك من مسميات الآيات فإننا حسمنا خيارنا العقلي والنفسي مسبقاً باتهامك بالسحر ورفض دعوتك، مما يثبت أن مشكلتهم لم تكن نقصاً في البراهين بل كانت مرضاً في الإرادة واستكباراً في النفوس.
استعمال اسم الشرط العام {مَهْمَا} وتنكير {آيَةٍ} في سياق الشرط المسبوق بمن البيانية: يفيد الاستغراق والشمول لأي معجزة مهما بلغت من العظمة والجلال؛ مما يصور قمة التعنت والاستكبار.
التوكيد بالجملة الاسمية ونفيها بـ «ما» مع الباء الزائدة في {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}: يعكس حسم الموقف وإحكام الإغلاق التام لكل منافذ الحوار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الداعية قد يصطدم بعقليات مغلقة اتخذت قرار الرفض قبل سماع الدليل؛ وواجبه أن يبلغ الحجة ويعلم أن هداية القلوب ليست بيده بل بيد الله.
خطورة العناد الفكري؛ فحين يقفل الإنسان عقله عن الحق يصبح البرهان كالشبهة في عينه، وتتحول الآيات البينات إلى مادة للسخرية والاتهام.