تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 288)جامع البيانالطبري١٣/٢٨٨: ينقل الطبري عن ابن عباس وسفيان الثوري وقتادة والضحاك في تفسير الاستدراج؛ قال ابن عباس: "كلما أحدثوا ذنباً أحدثنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار"؛ فيفتح الله على المكذبين أبواب الرزق والصحة والقوة والتمكين الدنيوي، فيظنون أن ذلك لكرامتهم عند الله ورضاه عنهم، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذهم الله فجأة وهم لا يشعرون؛ فهذا هو الاستدراج: الأخذ بالتدريج درجة درجة نحو الهاوية من حيث لا يعلمون أنها مهلكتهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 520)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٠صحيح: يذكر الحافظ ابن كثير الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتَ الله يعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] (أخرجه أحمد بإسناد صحيح).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 366)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٦٦: يبين القرطبي أن الاستدراج مأخوذ من الدَّرَجَة؛ وهو الصعود أو النزول مرقاة بعد مرقاة؛ واستدرجه الله أي قربه من الهلاك خطوة بعد خطوة بالإمهال وإدرار النعم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَنَسْتَدْرِجُهُم}: استدرج يستدرج استدراجاً، السين للاستقبال والتأكيد، والسين والتاء للطلب أو الصيرورة، والمعنى ننقلهم من مرتبة إلى مرتبة في الطغيان تدرجاً مع إسباغ النعم حتى يهلكوا.
الإعراب والتركيب:
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{كَذَّبُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
{بِآيَاتِنَا}: متعلقان بـ (كذبوا).
{سَنَسْتَدْرِجُهُم}: السين للتأكيد والاستقبال، فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
{مِّنْ حَيْثُ}: جار ومجرور، (حيث) اسم ظرفي مبني على الضم في محل جر بـ (من) متعلق بـ (سنستدرجهم).
{لَا}: نافية.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (حيث).
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني يرسم سنة إلهية كونية مرعبة: بعد بيان حال المهتدين والعادلين، بين مصير المكذبين الذين يغترون بقوتهم؛ فالله لا يعاجلهم بالعقوبة فور معصيتهم، بل يفتح لهم الدنيا استدراجاً حتى تطمئن نفوسهم ويبلغ طغيانهم منتهاه؛ فيكون الأخذ أشد وأنكى.
التعبير بـ {مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}: لبيان خفاء المكر الإلهي العادل؛ فالمهلكة تأتيهم من نفس الباب الذي يظنون فيه سلامتهم وعزهم ونصرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا يفتح الله على الكفار والمجرمين أبواب التقدم المادي والترف ويهملهم لسنوات طويلة؟
الدفع والمحاكمة السننية والعقلية:
هذه هي حقيقة سنة "الاستدراج والإملاء"؛ فالإمهال ليس إهمالاً بل هو لحكمتين عظيمتين:
إقامة الحجة التامة عليهم؛ لئلا يبقى لهم عذر في أنهم لم يُعطوا الفرصة الكافية للتذكر والرجوع.
استيفاء ذنوبهم حتى إذا أخذهم الله لم يفلتهم، وكان أخذهم عظيماً مدمراً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].
التنكير والإبهام في {مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}: يضفي على المشهد هيبة ورهبة عظيمة؛ فالضربة قادمة من زاوية مجهولة مستترة بغلاف النعمة والرخاء.
إسناد الاستدراج إلى نون العظمة الإلهية {سَنَسْتَدْرِجُهُم}: للدلالة على إحكام التدبير الرباني الذي لا يغالب ولا يقاوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف والوجل من تتابع النعم مع المعاصي: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى كنوز كسرى: "اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً؛ فإني أسمعك تقول: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}"؛ فالمؤمن إذا توالت عليه النعم خاف أن يكون استدراجاً فازداد شكراً وتواضعاً.
عدم الاغترار بقوة الظالمين وثرائهم: لا تنخدع بما عليه أهل الكفر والفساد من الترف والتقنية؛ فما هو إلا استدراج مؤقت تحته عذاب أليم.