تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 359)جامع البيانالطبري١٣/٣٥٩: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب القرظي والزهري وعبد الله بن مسعود وابن عباس في سبب نزول الآية: أنها نزلت في الصلاة المكتوبة وفي خطبة الجمعة؛ وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سمع قوماً يقرؤون خلف الإمام فقال: "أما آن لكم أن تعقلوا؟! {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}".
مسند الإمام أحمد ومسائل عبد الله بن أحمد (ص 103)مصدر غير محدد١٠٣: نقل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله الإجماع على أن الآية نزلت في شأن الصلاة؛ قال أحمد: "أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة"؛ أي إذا جهر الإمام بقراءته وجب على المأمومين الاستماع والإنصات.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 543)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٤٣: يبين ابن كثير أن الله تعالى لما قرر في الآية السابقة أن القرآن بصائر وهدى ورحمة للمؤمنين، أمر بعد ذلك بتعظيمه وتوقيره وحسن الاستماع إليه والإنصات لآياته إذا تُلي؛ ليكون ذلك سبباً في نيل رحمة الله وفهم مراده؛ وأوضح أن الاستماع والإنصات آكد ما يكون في الصلاة الجهرية وفي خطبة الجمعة، كما يندب ويتأكد في كل مجلس يتلى فيه كلام الله تعالى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 353)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٥٣: يحرر القرطبي الفرق بين الاستماع والإنصات؛ فالاستماع هو طلب السماع والإصغاء بالسمع، والإنصات هو السكوت وترك الكلام، فيجتمع للعبد السكوت الظاهر والإصغاء الباطن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{قُرِئَ}: القراءة هي الجمع والضم، ومنه قرأ الكتاب إذا جمع ألفاظه وتلاها؛ وبني الفعل للمجهول للعلم بالقارئ وللتركيز على ذات المقروء وهو القرآن المعظم.
{فَاسْتَمِعُوا}: الاستماع صيغة افتعال دالة على بذل الجهد والقصد إلى إلقاء السمع وحسن الإصغاء؛ وليس مجرد السماع العارض.
{وَأَنصِتُوا}: أنصت يُنصت إنصاتاً، وهو السكوت للإصغاء؛ يقال: نصت فلان إذا سكت، وأنصته غيره، وأنصت له إذا سكت واستمع لكلامه باهتمام.
{تُرْحَمُونَ}: تنالكم رحمة الله ورضوانه بفهم كلامه والعمل بمقتضاه.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{قُرِئَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{الْقُرْآنُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة لـ (إذا).
{فَاسْتَمِعُوا}: الفاء واقعة في جواب الشرط رابطة، استمعوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها.
{لَهُ}: اللام حرف جر، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر متعلق بـ (استمعوا).
{وَأَنصِتُوا}: الواو عاطفة، أنصتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{لَعَلَّكُمْ}: لعل حرف ترجٍّ ونصب، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب اسم لعل، والميم علامة الجمع.
{تُرْحَمُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل، والجملة الرجائية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال آسر بين الآيات: لما وصف الله القرآن في الآية السابقة بأنه {بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}، ناسب أن يشرع للعباد الأدب الواجب لتحصيل هذه البصائر والهدى وتلك الرحمة؛ وهو ألا يُعرضوا عنه إذا تُلي، بل يستمعوا بحضور قلب وينصتوا بسكوت لسان؛ فكان هذا الأمر شرطاً لحصول المشروط.
الرد الضمني على كفار قريش الذين قالوا كما حكى القرآن عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]، فأمر الله المؤمنين بضد مسلك الكفار: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية والمحاكمة الفقهية بين المذاهب:
اختلف الفقهاء في حكم قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية بناءً على هذه الآية الكريمة والأحاديث النبوية:
مذهب الحنفية: لا تجب القراءة على المأموم مطلقاً (لا الفاتحة ولا غيرها، لا في سرية ولا في جهرية) بل تكره تحريماً عندهم، عملاً بعموم الآية وحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».
مذهب المالكية والحنابلة (وهو قول جمع كبير من أهل الحديث والسلف): يقرأ المأموم في الصلاة السرية، وينصت في الصلاة الجهرية إذا جهر الإمام بقراءته ولا يقرأ شيئاً؛ عملاً بهذه الآية الكريمة: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «وإذا قرأ فأنصتوا».
مذهب الشافعية وجمهور المحدثين (والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام): تجب قراءة الفاتحة على المأموم في كل ركعة، سرية كانت أو جهرية، لعموم الحديث المتواتر: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وحديث عبادة بن الصامت في السنن: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»؛ وجمعوا بين الأدلة بحمل الآية الكريمة على الإنصات فيما زاد على الفاتحة، أو الإنصات في الخطبة.
الترجيح الأثري المحكم: مذهب الجمهور القائل بوجوب الإنصات في الجهرية والاستماع لإمامه مع قراءة الفاتحة في سكتات الإمام أو مراعاة الجمع بين النصوص هو المسلك الأحوط والجامع بين النص القرآني والأحاديث النبوية الصحيحة.
الجمع بين الاستماع والإنصات: الإنصات عمل الجوارح واللسان بالكف عن الكلام واللغو، والاستماع عمل الأذن والقلب بالإصغاء والتدبر والوعي؛ فلا يكفي مجرد السكوت مع شرود الذهن، ولا يمكن كمال التدبر مع التكلم والانشغال؛ فجمعهما كمال التلقي.
التذييل بـ {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: تعليق نيل الرحمة الإلهية على حسن الاستماع والإنصات لكلام الله؛ فمن حرم الإنصات لكتاب الله وتشاغل عنه حُرم من فيوضات الرحمة والسكينة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم شعائر الله وحرمة القرآن: من مظاهر تعظيم كلام الله تعالى الصمت التام عند تلاوته في البيوت والمساجد والمجامع، والنهي عن التشاغل بالأحاديث الجانبية ورفع الأصوات عند قراءة القرآن؛ فإن ذلك من خصال المشركين.
الإنصات مفتاح التدبر والفتح الرباني: العبد الذي يوطن نفسه على حسن الإنصات لكتاب الله يفتح الله على قلبه من أسرار المعاني والهدايات ما لا يدركه المتعجل العابث.