تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 57)جامع البيانالطبري١٣/٥٧: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله {بِالسِّنِينَ} أنها الجدب والقحط وانحباس ماء النيل، وجدوبة الأراضي الزراعية؛ و{نَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} أي قلة نتاج النخيل والكروم والزروع حتى كانت الشجرة لا تحمل إلا ثمرة واحدة أو تفسد ثمارها؛ والغاية الإلهية من هذه العقوبات التدريجية: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}؛ ليرجعوا عن غيهم وكبريائهم ويعلموا أن فرعون لا يملك لهم رياً ولا زرعاً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 456)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٦: يوضح ابن كثير أن الله تعالى ابتلى آل فرعون بالفقر ونقص الأرزاق بعد الترف والبطر، تذكيراً لهم بضعفهم وحاجتهم إلى خالقهم، ولعل القلوب القاسية تلين وتتضرع إلى الله وتستجيب لدعوة موسى عليه السلام.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 261)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٦١: يبين القرطبي أن العرب تسمي القحط والجدب "سَنَة" إذا تتابعت الشدائد، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم أعني عليهم بسنين كَسِنِي يوسف».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَخَذْنَا}: الأخذ الاستيلاء بالقهر، والأخذ هنا كناية عن العقوبة والابتلاء الشديد.
{بِالسِّنِينَ}: جمع سَنَة، وتستعمل في لغة العرب علم الغلبة على سني القحط والجدب وانحباس الأمطار.
{الثَّمَرَاتِ}: جمع ثمرة، وهي ما تنتجه الأشجار والزروع من أرزاق صالحة للأكل.
الإعراب والتركيب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية أو قسمية، اللام واقعة في جواب قسم محذوف تقديره: والله لقد، (قد) حرف تحقيق.
{أَخَذْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل.
{آلَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{بِالسِّنِينَ}: الباء حرف جر للملابسة والسببية، (السنين) اسم مجرور بالباء وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
{مِّنَ الثَّمَرَاتِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (نقص).
{لَعَلَّهُمْ}: (لعل) حرف ترجٍّ ونصب، والهاء اسمها.
{يَذَّكَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لعل.
القراءات المتواترة:
قرأ العشرة بتشديد الذال والكاف في {يَذَّكَّرُونَ} وأصله يتذكرون فأدغمت التاء في الذال للمبالغة في التفكر والاعتبار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج العقوبة الربانية: الله لم يأخذ آل فرعون بالاستئصال والإغراق ابتداءً، بل بدأ بالإنذارات الاقتصادية والبيئية (القحط، قلة المحاصيل)، رحمةً بالعباد وإعطاءً لفرص التوبة والرجوع.
النظم البياني: مجيء {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يفيد أن الشدائد مظنة لرجوع العقول إلى بارئها وخضوع النفوس لخالقها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عاقب الله الزروع والثمار وهي جمادات لا ذنب لها، وكيف يؤاخذ العامة بجرائر فرعون؟
الدفع والمحاكمة العقلية: نقص الثمار والقحط ليس عقاباً للزرع بل هو ابتلاء للإنسان الذي يعتمد على هذا الزرع؛ وفرعون لم يكن يحكم وحده بل بملئه ورضا عامة قومه ومظاهرتهم له على الباطل؛ فكان هذا النقص هزة عنيفة للمنظومة الاقتصادية الفرعونية القائمة على عبادة النيل والخصب، ليروا عجز آلهتهم المدعاة عن إنزال قطرة ماء أو إنبات حبة زرع بغير أمر الله تعالى.