تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 332)جامع البيانالطبري١٣/٣٣٢: يبين الطبري مواصلة الدليل العقلي الفاحم؛ فهذه الآلهة المزعومة لا تقدر على نصرة عابديها إذا نزل بهم بلاء أو عذاب من الله أو من عدو، والأعظم من ذلك فضيحةً أنها عاجزة عن نصرة أنفسها والدفاع عن ذواتها إن أراد بها أحد سوءاً؛ فلو كسرها إنسان أو أحرقها أو بال عليها ثعلب لم تدفع عن نفسها شيئاً؛ فكيف يرجى النصر ممن لا ينصر نفسه؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 532)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٢: يذكر ابن كثير أن الإله الحق هو الناصر القاهر، أما هذه الأوثان فهي في غاية الضعف والمهانة؛ كما كسر الخليل إبراهيم أصنام قومه فصارت جذاذاً ولم تستطع الدفاع عن نفسها، وكما كسر الصحابة أصنام مكة بعد الفتح.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 389)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٨٩: يوضح القرطبي أن نفي النصر المزدوج (عن العابدين وعن أنفسهم) يسقط كل توهم في فائدة عبادتها الدنيوية أو الأخروية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَسْتَطِيعُونَ}: الاستطاعة القدرة التامة على الفعل بتمكن.
{نَصْرًا}: النصر الإعانة والدفع للظلم وإلحاق الغلبة بالخصم.
الإعراب والتركيب:
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) نافية.
{يَسْتَطِيعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{لَهُمْ}: متعلقان بـ (نصراً).
{نَصْرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) لتأكيد النفي.
{أَنفُسَهُمْ}: مفعول به مقدم لـ (ينصرون) منصوب بالفتحة وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{يَنصُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على الأولى.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم المنطقي المتدرج في سلب خصائص الألوهية:
سلب صفة الخلق في الآية السابقة: {لَا يَخْلُقُ شَيْئًا}.
سلب القدرة على نصرة أتباعها: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا}.
سلب القدرة على حماية ذواتها الضعيفة: {وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}.
تقديم المفعول في {وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}: لإبراز الفضيحة؛ فالعجز عن الدفاع عن الذات أولى وأقبح في إثبات البطلان من العجز عن نصرة الغير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: يقول المشرك: نحن نعلم أنها لا تنصر بذاتها ولكنها تقربنا إلى الله زلفى وتتشفع لنا!
الدفع والمحاكمة العقلية:
الشفاعة عند ملك الملوك لا تكون إلا لمن أذن له ورضي قوله؛ والجماد الذي لا يسمع ولا ينطق ولا يملك الدفاع عن نفسه كيف يملك منزلة الشفاعة عند جبار السماوات والأرض؟ والشفاعة ملك لله وحده: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]، فلا تطلب من الجماد العاجز بل تطلب من الله بالتوحيد الخالص؛ فالزعم بالشفاعة باطل محض بني على التشبيه الفاسد لله بملوك الدنيا الظلمة الذين تؤثر عليهم حواشيهم ووسطاؤهم.
التنكير في {نَصْرًا}: يفيد النفي المطلق لأدنى معونة أو نصرة مهما كانت يسيرة.
استعمال فعل الاستطاعة في الأولى {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} وفعل المباشرة في الثانية {وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}: مبالغة في كشف العجز؛ فهم فاقدون لأصل القدرة والاستطاعة لنصرة غيرهم، وفاقدون للنصر الفعلي لذواتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوكل على الحي القيوم وحده: المؤمن لا يعتمد على مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، بل يعلق قلبه بالواحد القهار الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه.
شجاعة أهل التوحيد في تحطيم الأصنام والأوهام: من علم عجز المعبودات الباطلة استهان بتهديدات أربابها ومضى في صدعه بالحق لا يخشى إلا الله.