تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 315)جامع البيانالطبري١٣/٣١٥: ينقل الطبري عن السدي ومجاهد وقتادة والحسن أن النفس الواحدة هي آدم عليه السلام، وجعل منها زوجها حواء ليسكن إليها بالمودة والألفة والرحمة؛ فلما جامعها وتغشاها حملت أول حملها نطفة خفيفة فمرت به قائمة وقاعدة لا تجد له ثقلاً؛ فلما كبر الجنين في بطنها وأثقلت وأشفقت من الولادة خافا أن يخرج مشوهاً أو غير سوي؛ ففزعا إلى ربهما ودعيا الله بصدق: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} أي ولداً سَوِيَّ الخِلقة تام الأعضاء حياً معافى، لنكونن من الشاكرين لك على هذه النعمة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 528)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٨: يقرر ابن كثير تحريراً علمياً نفيساً في هذه الآية والآية التي بعدها؛ فيوضح أن الإسرائيليات التي تروي أن الشيطان وسوس لآدم وحواء فسميا ولدهما "عبد الحارث" هي من أخبار أهل الكتاب الواهية التي لا تصح ولا تليق بمقام عصمة الأنبياء؛ والصحيح المحقق عند أئمة المحققين أن المراد في الآية هو جنس بني آدم والذرية؛ فبدأ بذكر أصل الخلق من نفس واحدة وهي آدم وحواء، ثم انتقل السياق إلى وصف حال الأزواج من ذريتهما من المشركين الذين يمنّ الله عليهم بالولد السوي فإذا آتاهم إياه أشركوا به فسموه عبد العزى أو عبد اللات ونسبوا النعمة لغير الله؛ وهذا أسلوب قرآني شائع في الانتقال من الأصل إلى الجنس والذرية.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 383)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٨٣: يبين القرطبي أن السكن بين الزوجين هو من أعظم نعم الله النفسية والاجتماعية؛ فلولا ما ركب الله في النفوس من المودة والرحمة لما استقر نسل ولا قامت حضارة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَغَشَّاهَا}: كناية قرآنية غاية في الأدب عن الجماع؛ مأخوذ من الغشيان وهو التغطية والركوب.
{فَمَرَّتْ بِهِ}: استمرت في شؤونها وأشغالها بذاك الحمل الخفيف ولم يثقلها.
{أَثْقَلَت}: أثقلت المرأة إذا كبر حملها وثقل بطنها ودنت ولادتها.
الإعراب والتركيب:
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{خَلَقَكُم}: فعل ماضٍ والفاعل مستتر والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِّن نَّفْسٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (خلقكم).
{وَاحِدَةٍ}: نعت لنفس مجرور بالكسرة.
{وَجَعَلَ}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ وفاعله مستتر.
{مِنْهَا}: متعلقان بـ (جعل).
{زَوْجَهَا}: مفعول به منصوب وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{لِيَسْكُنَ}: اللام لام التعليل، (يسكن) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر.
{تَغَشَّاهَا}: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر والهاء مفعول به، وجملة الشرط مضاف إليه لـ (لما).
{حَمَلَتْ}: فعل ماضٍ والتاء للتأنيث والفاعل مستتر، والجملة جواب لما لا محل لها.
{حَمْلًا}: مفعول به منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق).
{خَفِيفًا}: نعت لـ (حملاً) منصوب.
{فَمَرَّتْ}: الفاء عاطفة، فعل ماضٍ والفاعل مستتر.
{بِهِ}: متعلقان بـ (مرت).
{فَلَمَّا}: عاطفة وشرطية.
{أَثْقَلَت}: فعل ماضٍ والفاعل مستتر.
{دَّعَوَا}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، وألف الاثنين ضمير متصل فاعل، والجملة جواب لما.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة.
{رَبَّهُمَا}: بدل أو نعت للفظ الجلالة منصوب وهو مضاف وهما مضاف إليه.
{لَئِنْ}: اللام موطئة للقسم، (إن) حرف شرط جازم.
{آتَيْتَنَا}: فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل و(نا) مفعول به أول.
{صَالِحًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{لَنَكُونَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، واسمه مستتر تقديره نحن.
{مِنَ الشَّاكِرِينَ}: متعلقان بمحذوف خبر نكون، والجملة جواب القسم المقدر وجملة القسم مقول القول لدعوا.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج مراحل الحمل البشري بدقة إعجازية:
البداية بالمعاشرة: {تَغَشَّاهَا}.
الطور الأول الخفيف: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} في خفة ونشاط.
الطور الثاني الثقيل: {فَلَمَّا أَثْقَلَت} واقترب المخاض.
الفزع إلى الفطرة والدعاء الخالص: {دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا}.
بيان حقيقة الفطرة الإنسانية عند الشدائد؛ فالإنسان عند الخوف والمخاطر يرجع تلقائياً إلى توحيد الله والتوسل به وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نسبة الشرك لآدم وحواء في الآية التالية:
الدفع والمحاكمة التنزيهية الراسخة لأهل السنة:
الأنبياء معصومون من الشرك بإجماع الأمة؛ وآدم عليه السلام نبي مكلم اصطفاه الله واجتباه؛ فاستحالة صدور الشرك منه قطعية؛ وما روي في بعض التفاسير من قصة الحارث وتسمية الولد عبد الحارث باطل مدرج من الإسرائيليات الضعيفة كما نص على ذلك ابن حزم وابن كثير وابن تيمية؛ والمراد بالآية جنس الإنسان والذرية؛ فبدأ بذكر النعمة على الزوجين الأولين اللذين تفرعت منهما البشرية، ثم وصف حال المشركين من ذريتهما الذين إذا رزقهم الله ولداً أشركوا به فسموه عبد العزى أو عبد مناف ونسبوا شفاءه لغير الله؛ ويدل على ذلك ختام الآية التالية بصيغة الجمع: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، ولو كان المراد آدم وحواء لقال: عما يشركان بالتثنية.