تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 118)جامع البيانالطبري١٣/١١٨: يقرر الطبري أن هذه الآية بيان للمصير النهائي للمكذبين المتكبرين؛ فالذين جحدوا دلائل الله ومعجزاته وكذبوا بالبعث بعد الموت والحساب والجزاء والوقوف بين يدي الله، سقطت وبطلت وفسدت كل أعمالهم التي كانوا يرجون نفعها في الدنيا والآخرة؛ لأن العمل الصالح لا يقبل ولا يثاب عليه إلا إذا أسس على الإيمان والتوحيد واليقين باليوم الآخر؛ {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لا يعاقبون إلا جزاءً عادلاً مطابقاً لكفرهم وإجرامهم دون ظلم ولا زيادة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 475)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٥: يوضح ابن كثير أن الكفر بلقاء الآخرة يهدم كل عمل من بر أو صلة أو إحسان دنيوي؛ فيصير كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ فلا ثواب لهم في الآخرة؛ والجزاء من جنس العمل، فكما أهملوا لقاء الله أهملهم الله في العذاب.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 292)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٩٢: يبين القرطبي معنى حبوط الأعمال؛ وهو سقوطها وفسادها، مأخوذ من حَبَطَت الدابة إذا رعت نبت الدفلى أو الكلأ الوبيل فانتفخ بطنها حتى تنشق وتموت؛ فالمشرك يظن عمله خيراً وهو في الحقيقة سبب هلاكه وبطلان سعيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُجْزَوْنَ}: الجزاء المكافأة على الشيء وفاقاً، خيراً كان أو شراً.
الإعراب والتركيب:
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{كَذَّبُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (كذبوا)، و(نا) مضاف إليه.
{وَلِقَاءِ}: الواو عاطفة، (لقاء) معطوف مجرور وهو مضاف.
{الْآخِرَةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{حَبِطَتْ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
{أَعْمَالُهُمْ}: فاعل مرفوع وهو مضاف، والهاء مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
{هَلْ}: حرف استفهام يفيد النفي التقريري مبني على السكون.
{يُجْزَوْنَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (يجزون)، أو منصوب بنزع الخافض أي: إلا جزاء ما.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في كلماتها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختام حسم قطعي لملف المتكبرين المعاندين؛ فبعد أن بين سلوكهم الشاذ في صرف قلوبهم عن الرشد وإقبالهم على الغي في الآية السابقة، قرر هنا النتيجة الأخروية المحتومة: حبوط الأعمال ومواجهة العذاب العادل.
الربط المحكم بين التكذيب بالآيات والتكذيب بلقاء الآخرة؛ لأن إنكار اليوم الآخر هو الذي يجرئ الإنسان على الاستكبار والمعاصي ويدفعه إلى الاستهانة بآيات الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: أليس من الظلم حبوط أعمال الكافر الخيرية الإنسانية (كإغاثة المنكوبين وبناء المستشفيات) وحرمانه من كل ثواب؟
الدفع والمحاكمة العقلية: العمل الإنساني إذا خلا من الإيمان بالله والدار الآخرة فإنه يفقد شرط القبول الجوهري؛ فالكافر لم يعمل هذا العمل ابتغاء مرضاة الله ولا طلباً لثواب الآخرة التي يكذب بها أصلاً، وإنما عمله لسمعة دنيوية أو دافع إنساني أرضي مجرد؛ وقد عجل الله له جزاءه في الدنيا بالثناء والمال والشهرة والراحة المادية؛ فإذا جاء يوم القيامة لم يكن له عند الله رصيد يطالب به؛ لأن العادل سبحانه لا يظلم أحداً، ولكنه لا يثيب من لم يرجُ ثوابه ولم يؤمن بلقائه: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان: 23].
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي في {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أسلوب قصر وبلاغة يقرر العدل الإلهي المطلق؛ فالعقوبة ليست انتقاماً تعسفياً بل هي الصورة الحقيقية المتجسدة لأعمالهم الإجرامية في الدنيا.
التعبير بـ {حَبِطَتْ} بصيغة الماضي: للدلالة على التحقق والقطع ببطلان أعمالهم كأنه أمر وقع وانتهى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإيمان باليوم الآخر هو صمام الأمان للأخلاق والأعمال؛ فإذا سقط هذا الإيمان تحولت الحضارة والأعمال المادية إلى ركام أجوف لا ثواب له عند الله.
العدالة الإلهية قائمة على الجزاء من جنس العمل؛ فمن زرع التكذيب والاستكبار حصد الخسران والحرمان، ومن آمن وعمل صالحاً وجد جزاءه موفوراً غير منقوص.