تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 367)جامع البيانالطبري١٣/٣٦٧: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}: أي اذكر ربك في سرك وقلبك وخلدك متضرعاً مستكيناً خائفاً من وعيده راجياً لثوابه؛ وقوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ}: أي وأسمع نفسك صوتاً خفيفاً وسطاً بين الصمت والجهر المرتفع؛ وقوله: {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: أي بالغدوات وهي أوائل النهار عند صلاة الصبح، والآصال وهي العشايا من بعد العصر إلى المغرب؛ و{وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} أي عن ذكر الله وتوحيده في هذين الوقتين وسائر الأوقات.
صحيح البخاري ومسلم (الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه): قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فجعل الناس يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، اربعوا على أنفسكم! فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
صحيح البخاري (كتاب التوحيد، حديث رقم 7405 عن أبي هريرة رضي الله عنه): عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم...».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 546)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٤٦: يوضح ابن كثير أن الله تعالى لما أمر بالاستماع لقراءة القرآن إذا قرأه غيرك، أمرك هنا بأن لا تغفل عن ذكر الله بنفسك سراً وعلانية، ورغّب في الذكر السري الخفي لأنه أبلغ في الإخلاص وأبعد عن الرياء؛ وخص الغدو والآصال لفضلهما وتناوب ملائكة الليل والنهار فيهما.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَخِيفَةً}: الخيفة اسم مصدر من الخوف، وهي حالة الهيبة والوجل والخشية التي تعتري القلب من جلال الله ومقامه.
{وَدُونَ الْجَهْرِ}: الدون هنا نقيض العالي والمفرط؛ أي صوتاً منخفضاً معتدلاً تسمع به نفسك ولا ترفع به صياحاً؛ وقيل: فوق السر ودون الجهر المرتفع.
{بِالْغُدُوِّ}: الغدو جمع غدوة، وهو أول النهار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
{وَالْآصَالِ}: الآصال جمع أصيل، وهو الوقت من صلاة العصر إلى غروب الشمس؛ وقيل جمع أصائل كأيمان وأيامن.
{الْغَافِلِينَ}: الساهين اللاهين عن ذكر الله وطاعته.
الإعراب والتركيب:
{وَاذْكُر}: الواو عاطفة، اذكر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{رَّبَّكَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{فِي نَفْسِكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (اذكر) والكاف مضاف إليه.
{تَضَرُّعًا}: حال منصوبة من الفاعل (أي متضرعاً)، أو مفعول لأجله (أي لأجل التضرع)، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
{وَخِيفَةً}: معطوف على تضرعاً منصوب مثله.
{وَدُونَ}: الواو عاطفة، دون ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف تقديره: ذكراً دون الجهر، أو معطوف على تضرعاً.
{الْجَهْرِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{مِنَ الْقَوْلِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (الجهر).
{بِالْغُدُوِّ}: الباء حرف جر للظرفية، الغدو اسم مجرور متعلق بـ (اذكر).
{وَالْآصَالِ}: معطوف على الغدو مجرور مثله.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا ناهية جازمة.
{تَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ (لا) وعلامة جزمه السكون، واسمه ضمير مستتر تقديره أنت.
{مِّنَ الْغَافِلِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكن، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة ألفاظ الآية الكريمة دون اختلاف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب مذهل في التدرج التعبدي:
أمر بالاستماع والإنصات إذا قُرئ القرآن في الجماعة والصلاة: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}.
ثم أمر بالذكر الفردي الداخلي في النفس بينك وبين ربك في سائر الأوقات: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}.
ثم حذر من نقيض الذكر وهو الغفلة التي هي أصل كل بلية: {وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}.
ليتوج السورة كلها في الآية اللاحقة بذكر الملائكة الذين لا يفترون عن هذه العبادة ولا يستكبرون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل الجهر بالذكر والصياح فيه: استشكل بعضهم ما يفعله بعض المنتسبين إلى التصوف والطرائق من رفع الأصوات بالصياح والتمايل والذكر الجماعي الصاخب، زاعمين أن الجهر أبلغ في إحياء القلب!
الدفع والمحاكمة العقدية والسلفية الرصينة:
الآية الكريمة نص قاطع في أن الأصل في الذكر والدعاء هو الخفاء والسكينة والوقار: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ}؛ ونظيرتها قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].
زجر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة حين رفعوا أصواتهم بالتكبير في السفر وقال: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً»؛ فبين أن الصياح والجهر المبالغ فيه مكروه ومخالف للهدي النبوي؛ إلا في المواطن المستثناة شرعاً كالأذان والتلبية في الحج والتكبير في العيدين؛ فالذكر السري الخاشع أجمع للقلب وأبعد عن الرياء وأعظم في مهابة الرب ومراقبته.
المقابلة بين الرغبة والرهبة: جمع بين {تَضَرُّعًا} (المتضمن للرجاء والافتقار والذل) و{خِيفَةً} (المتضمن للوجل والخشية والهيبة)؛ وهما جناحا العبادة الصادقة اللذان يسير بهما قلب المؤمن إلى الله.
الطباق بين {الْغُدُوِّ} و{الْآصَالِ}: لاستيعاب طرفي النهار، وللإشارة إلى أن بداية اليوم ونهايته ينبغي أن تختما بذكر الله تعالى ليكون ما بينهما محفوظاً بنور الذكر.
التحذير البليغ بـ {وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}: لم يقل: ولا تغفل، بل قال {وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} بالكون في زمرتهم؛ للنهي عن أن تصبح الغفلة صفة لازمة وهوية راسخة للعبد؛ فالغفلة موت للقلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة أذكار الصباح والمساء: الآية أصل أصيل في مشروعية والمواظبة على أذكار الصباح في الغدو وأذكار المساء في الآصال؛ فإنها الحصن الحصين للعبد من مكائد الشياطين ونوائب الدهر.
تحقيق أدب المناجاة: مناجاة الرب توجب الوقار والسكينة وخفض الصوت؛ فإن من استحضر قرب ربه منه استحيا أن يرفع صوته بحضرته، بل يذكره في نفسه تذللاً وخوفاً وطمعاً.