تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 354)جامع البيانالطبري١٣/٣٥٤: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في سبب نزول الآية: أن مشركي مكة كانوا إذا أبطأ الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تنزل آية لفترة، أو إذا لم يأتهم بالآيات المقترحة الخارقة التي طلبوها تعنتاً (كتحويل الصفا ذهباً أو تفجير الينابيع)، قالوا استهزاءً وتكذيباً: {لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا}؛ ومعناه عند مجاهد وقتادة: هلا اختلقتها من عند نفسك وافتعلتها ونشأتها! وقال ابن عباس: هلا سألتها ربك واجتبيتها منه فأعطاكها! فأمر الله نبيه أن يرد عليهم مبطلاً افترائهم: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي}؛ فلست بمخترع ولا متكلف ولا متحكم في الوحي والمعجزات، وإنما أنا عبد متبع مأمور؛ وهذا القرآن بين أيديكم هو الآية العظمى المستمرة: {هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 541)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٤١: يوضح ابن كثير أن مشركي قريش كانوا يسلكون مسلك التعنت والعناد؛ فإذا لم تنزل آية بحسب أهوائهم اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذي يختلق الوحي؛ فأمر الله نبيه بإعلان تجرده التام وكمال اتباعه لأمر الله، وأن هذا القرآن المنزل فيه غنية وكفاية لكل طالب هدى؛ فهو بصائر تنير القلوب، وهدى يدل على الصراط المستقيم، ورحمة تسعد المؤمنين في الدارين.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 314)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣١٤: يبين السعدي أن الآيات ليست بأيدي الرسل حتى يأتوا بما يطلبه المقترحون، وإنما أمرها إلى الله الحكيم العليم الذي ينزل منها ما تقتضيه حكمته ورحمته؛ ووظيفة الرسول هي التبليغ والاتباع المطلق لما يوحى إليه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{اجْتَبَيْتَهَا}: من الجباية والاجتباء، وله في اللغة إطلاقان:
الجمع والاختلاق: جبيت الشيء إذا جمعته، واجتبى الكلام إذا اختلقه وافتعله من تلقاء نفسه ومن غير أصل.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (أتبع).
{يُوحَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{إِلَيَّ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يوحى).
{مِن رَّبِّي}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستكن في (يوحى) أو متعلقان بالفعل.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
{بَصَائِرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِن رَّبِّكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (بصائر).
{وَهُدًى}: الواو عاطفة، هدى معطوف على بصائر مرفوع بضمة مقدرة.
{وَرَحْمَةٌ}: معطوف مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِّقَوْمٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (رحمة) أو متعلقان برحمة.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ (قوم).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر المتواترة على القراءة المعتمدة بلا خلاف في هذه الآية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما بيّن الله تعالى أن شياطين الإنس والجن يمدون بعضهم في الغي، ذكر هنا أعظم مظاهر غي مشركي قريش وافترائهم؛ وهو اتهام النبي صلى الله عليه وسلم باختلاق الآيات واقتراح المعجزات تحكماً وعناداً.
الانتقال البديع من رد الشبهة: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي} إلى بيان القيمة العظمى للقرآن الكريم الحاضر بين أيديهم: {هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المشركين والمستشرقين حول مصدر القرآن النبوي: زعم المشركون قديماً وتبناهم بعض المستشرقين حديثاً أن تأخر الوحي وفترته دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤلف القرآن بنفسه ويجتبيه باجتهاده!
الدفع والمحاكمة العقلية والتاريخية الدامغة:
لو كان القرآن من إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم وتأليفه لما احتاج إلى الانتظار شهراً في حادثة الإفك والناس يخوضون في عرض زوجه الطاهرة عائشة رضي الله عنها وهو يتألم، ولما تردد في الإجابة عن أسئلة اليهود وقريش في شأن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح حتى عوتب ونزل الوحي بعد خمسة عشر يوماً؛ فالانحباس التام للوحي في أحلك الأوقات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد ما يكون حاجة إلى كلمة تفصل النزاع أكبر برهان عقلي قطعي على أن الوحي خارج عن طاقته وإرادته، وأنه تنزيل من حكيم عليم لا دخل للبشر فيه.
الرد القرآني حصر مهمة الرسول في قوله: {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي}؛ فالمعجزات ليست بضاعة تباع وتشترى أو تصنع بالطلب، بل هي آيات ربانية ينزلها الله متى شاء وفق حكمته البالغة.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: قوله {إِنَّمَا أَتَّبِعُ} قصر موصوف على صفة؛ أي لست مبتدعاً ولا مخترعاً ولا متصرفاً من عند نفسي، بل صفتي محصورة في كمال الاتباع والعبودية لأمر الله.
التنكير في قوله {بِآيَةٍ}: تنكير تقليل؛ أي لو أبطأت عنهم آية واحدة من القرآن أو معجزة مقترحة قالوا ذلك لفرط عنادهم وسوء طويتهم.
الإشارة بـ {هَٰذَا} للقريب المعظم: الإشارة إلى القرآن العظيم تنبيهاً على حضوره وقربه وإعجازه القائم الذي لا يحتاج معه العاقل إلى معجزة أخرى؛ فجمع بين البصائر (كشف الحقائق للقلوب) والهدى (الدلالة العملية على الطريق) والرحمة (الثمرة العظمى الدائمة).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الداعية في الاتباع: الداعية الصادق عبد متبع للوحي، لا يخترع في دين الله بحسب أهواء الجماهير ولا يغير ثوابت الشريعة ليرضي رغبات المخالفين؛ بل يثبت على ما أوحي إليه.
القرآن نور البصائر: من أراد زوال الحيرة والشكوك فعليه بالقرآن الكريم؛ فإنه بصائر تشفي القلوب من العمى والشبهات، ولكن هذا النور مشروط بسلامة القلب والإيمان: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.