أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 285)جامع البيانالطبري١٢/٢٨٥ بسنده عن قتادة والسدي في قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}: "هذا خطاب عام لجميع الناس؛ يأمرهم الله باتباع القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بأوامره واجتناب زواجره، {وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أي: لا تتخذوا من دون الله ورسوله سادة وكبراء ورؤساء يحلون لكم الحرام ويحرمون عليكم الحلال فتطيعونهم في معصية الله، {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} أي: قليلاً ما تتعظون وتعتبرون بما يوعظ به".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 375)مصدر غير محدد٣/٣٧٥: "يقول تعالى مخاطباً لسائر الخلق: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بالكتاب المنزل من رب كل شيء ومليكه، {وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أي: لا تعدلوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتتبعوا أهواء غيره من الشياطين والكهان ودعاة الضلال، {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} كقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(أَوْلِيَاءَ): جمع وَلِيّ؛ وهو الناصر المعين المتبع المتبوع الذي يُتخذ سنداً ومرجعاً ويُطاع في أمره.
الإعراب والتركيب:
{اتَّبِعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (اتبعوا).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والالتفات التشريعي العام: بعد أن كان الخطاب في الآية السابقة خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم في صدره وإنذاره {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ}، التفت الخطاب هنا إلى الأمة والبشرية قاطبة بصيغة الجمع: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}؛ لتقرير واجب الأمة نحو هذا الكتاب؛ فالرسول مأمور بالبلاغ، والأمة مأمورة بالاتباع المطلق ونبذ اتباع الأولياء من دونه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق التوحيد في الاتباع والولاء:
تؤصل الآية لقاعدة الإسلام العظمى: "حصرية الولاية والاتباع لله ولرسوله"؛ فلا متبوع بحق إلا ما أنزل الله؛ وكل ولي يُتبع في مخالفة الوحي فهو طاغوت وولايته شرك وضلال.
دفع التبعية العمياء للأشخاص:
قوله {وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}: تحذير قاطع من تقديس الرجال والزعماء والسادة إذا شرعوا ما يخالف حكم الله؛ فالمسلم يدور مع الدليل الشرعي حيث دار، ولا يقدس أحداً سوى المعصوم صلى الله عليه وسلم.