تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 54)جامع البيانالطبري١٣/٥٤: ينقل الطبري عن السدي ومجاهد وقتادة أن بني إسرائيل اشتكوا لموسى عليه السلام بلغة تعكس ضعف عزيمتهم وضيق صدورهم؛ فقالوا: كنا مستعبدين نذبح ونمتهن قبل أن تأتينا بالرسالة، فلما جئتنا بالرسالة زاد بطش فرعون وتجدد عذابنا وتوعد بقتل أبنائنا؛ فما الذي استفدناه من مجيئك؟ فرد عليهم موسى بأدب النبوة وسعة حلمه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}؛ رجاءً من الله أن يقصم فرعون ويمكن لبني إسرائيل في الأرض، ولكنه نبههم إلى أن التمكين ليس للترف والراحة بل للاختبار والابتلاء.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 455)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا كان ضجر تبرم واستعجال للفرج من بني إسرائيل، وطباعهم اتسمت بالرخاوة والشكوى عند أول محنة؛ فقابل موسى ضجرهم بالبشارة المشروطة، ونبههم إلى أن نعمة النصر والوراثة للملك ستكون موضع محاسبة ومراقبة إلهية لكيفية تصرفهم.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 320)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٢٠: يبين الشنقيطي أن "عسى" من الله واجبة التحقق؛ وقد أنجز الله هذا الوعد وأهلك فرعون وجنده واستخلف بني إسرائيل في الشام ومصر كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أُوذِينَا}: أوذي فعل ماضٍ مبني للمجهول من الأذى، والأذى هو كل ضرر يلحق الإنسان في بدنه أو عرضه أو ماله.
{يَسْتَخْلِفَكُمْ}: استخلف يستخلف، والسين والتاء للصيرورة والتمكين؛ أي يجعلكم خلفاء في الأرض بعد هلاك الظالمين.
الإعراب والتركيب:
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل.
{أُوذِينَا}: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة مقول القول.
{مِن قَبْلِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أوذينا) وهو مضاف.
{أَن تَأْتِيَنَا}: المصدر المؤول في محل جر بالإضافة، و(تأتي) فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله مستتر تقديره أنت، و(نا) مفعول به.
{وَمِن بَعْدِ}: معطوف على من قبل وهو مضاف.
{مَا جِئْتَنَا}: (ما) مصدرية، و(جئتنا) فعل ماضٍ وفاعله التاء و(نا) مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر بالإضافة.
{قَالَ}: فعل ماضٍ وفاعله مستتر (موسى).
{عَسَىٰ}: فعل ماضٍ جامد لإنشاء الرجاء يعمل عمل كاد من أفعال المقاربة والرجاء.
{رَبُّكُمْ}: اسم عسى مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه.
{أَن يُهْلِكَ}: المصدر المؤول في محل نصب خبر عسى، و(يهلك) فعل مضارع منصوب، والفاعل مستتر تقديره هو.
{عَدُوَّكُمْ}: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{وَيَسْتَخْلِفَكُمْ}: معطوف على يهلك منصوب، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يستخلفكم).
{فَيَنظُرَ}: الفاء سببية أو عاطفة، فعل مضارع منصوب معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل تعملون، وفعل النظر معلق عن العمل بسببه.
قرأ العشرة باتفاق ألفاظ الآية الكريمة دون خلاف في وجوه الإعراب الأساسية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النفسية بين السحرة وبني إسرائيل: السحرة حديثو عهد بالإيمان ثبتوا أمام تهديد الصلب وبتر الأطراف وقالوا: {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}؛ بينما بنو إسرائيل أصحاب التاريخ النبوي الطويل تبرموا وضجروا من مجرد التهديد وقالوا: {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}؛ وفي هذا تنبيه قرآني على تفاوت مراتب اليقين.
تحذير موسى الذكي: لم يجعل الغاية مجرد هلاك العدو، بل ربطه بالمسؤولية: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عبر بـ {فَيَنظُرَ} والله تعالى يعلم ما سيعملونه قبل أن يخلقهم، فما فائدة النظر؟
الدفع والمحاكمة العقلية: النظر هنا المراد به نظر المحاسبة والجزاء الواقع على العمل الخارجي المشاهد؛ فالله سبحانه يعلم أزلاً ما كان وما سيكون وما العباد عاملون، ولكن عدله المطلق يقضي بألا يعاقب العباد ولا يثيبهم بمجرد علمه السابق، بل بناءً على ما يقترفونه بالفعل ويخرج إلى حيز الوجود والشهود الخارجي لتقوم الحجة القاطعة على أنفسهم.
المقابلة الزمنية في {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}: تعبير عن الجزع البشري ورغبة النفس في التغيير الفوري السهل دون دفع ثمن التمكين من الابتلاء والتضحية.
التذييل بـ {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}: فيه نبرة تحذير مهيبة؛ لأن الاستخلاف والتمكين ليس مكافأة استرخاء بل هو تكليف وامتحان أشد من امتحان الاستضعاف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التمكين والنصر له ضريبة وتكلفة: لا يمكن للأمم أن تخرج من العبودية والذل إلى الحرية والسيادة بغير صبر وتضحيات وتحمل لأذى المعركة.
فتنة السراء والتمكين أشد خطراً من فتنة الضراء والاستضعاف؛ فكثير ممن يصبرون على سياط الجلادين يفشلون إذا استخلفوا في الأرض ومكن لهم في المال والسلطان.